ابني حافظ لكتاب الله ولكنه يميل إلى رفاق السوء، فكيف أتصرف معه؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندي ابن يبلغ من العمر سبعة عشر عاما، وهو حافظ للقرآن الكريم -حيث حفظه في البيت دون ضبط للأحكام-، وقد حاولت مرارا ربطه بشيخ أو إلحاقه بمركز لتحفيظ القرآن، لكنه -للأسف- لا يميل إلى أهل العلم، ولا يرغب في التقرب منهم أو من الشباب الملتزمين في مثل عمره.

والآن أصبح الأمر أكثر صعوبة؛ إذ صار يبحث عن أصدقاء السوء، وهو حاليا في مرحلة الثانوية العامة -هدانا الله وإياه-، ولست أدري كيف أتعامل معه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

بداية، كان من المهم جدا الانتباه إلى هذا السلوك في وقت مبكر، وعدم الاكتفاء بمجرد حفظ القرآن، واعتبار ذلك أساسا لاستقامة الشاب؛ فكثير من الأطفال قد يحفظون القرآن بسبب ضغط الوالدين والبيئة المحيطة، دون أن يشعروا بقيمة القرآن وأثره في تزكية النفس، ولذلك قد لا ينعكس هذا الحفظ على سلوكهم، إلا إذا أحيط ببيئة ملتزمة، وأسرة توفر له المحضن التربوي المناسب، ليكون القرآن بعد ذلك رافدا قويا للالتزام والاستقامة، قال الله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، فالغاية ليست حفظ القرآن فقط، وإنما أن يظهر أثره في حياة الإنسان وأخلاقه وسلوكه.

أخي الفاضل، قد يكون ابنك يعاني من الرهاب الاجتماعي أو الخجل الشديد، وقد انعكس ذلك على عدم تقبله مدارس التحفيظ ونحوها، وقد يكون مر بتجربة سابقة مع بعض المتدينين أو في المسجد، تركت في نفسه أثرا سلبيا، وشكلت حاجزا نفسيا بينه وبين هذه الأجواء، وقد يكون كذلك قد نشأ في بيئة تحمل بعض المواقف، أو التصورات السلبية عن المتدينين.

فالانطباع الشخصي عن الأشخاص والأفكار لا يكون دائما فطريا، وإنما يكتسبه الإنسان من خلال ما يراه ويسمعه، وما يمر به من مواقف وتجارب، وما يتلقاه من تربية.

لذلك -أخي الفاضل- سنضع بين يديك مجموعة من النصائح التي قد تساعدك في تعديل سلوك ابنك، ونسأل الله أن ينفعك بها:

• أولا: الحوار الصريح القائم على الإقناع:
من المهم جدا أن تدخل معه في حوار مباشر وصريح، بعيدا عن الاتهام واللوم والشتم، وأن يكون الهدف هو فهم الأسباب التي تقف وراء هذا السلوك، وليس مجرد محاولة تغييره بالقوة. فلكل سلوك أسبابه ودوافعه، وإذا عرفنا السبب، أصبح من الممكن مناقشة الأمر، وفهم تفاصيله، ومحاولة علاجه بصورة صحيحة. ومن المهم في أثناء الحوار أن يشعر الابن بأنك تحاول فهمه، لا محاكمته أو إدانته، وأن يكون الحديث معه في أجواء هادئة وآمنة.

• ثانيا: المزج بين المتعة والمعرفة والعلم:
الأبناء عموما قد ينفرون من تلقي العلم والمعرفة بصورة مجردة؛ لأنها قد تبدو ثقيلة على النفس، وتشعرهم بتقييد حريتهم، بينما يتقبلون التعلم بصورة أفضل عندما يمزج باللعب والمتعة والمرح والتسلية، ويكتسبون منه الكثير، كما يساعد ذلك على كسر حاجز الخجل والانغلاق. لذلك، يمكنك أن تبحث له عن أندية ثقافية أو دينية تقدم أنشطة ترفيهية وثقافية، وتوفر -في الوقت نفسه- جانبا تعليميا وتربويا، بحيث لا يشعر بأن وجوده فيها مرتبط فقط بالدروس والتوجيه المباشر.

• ثالثا: القدوة الحسنة في المنزل وخارجه:
من المهم جدا أن تكون هناك قدوة ذات قيم وأخلاق عالية ترافق ابنك، سواء في المنزل -من والده وإخوته ومن يحيطون به-، أم خارجه -من خلال أصدقائه المقربين-. فالقدوة تؤثر تأثيرا كبيرا جدا، ويكتسب الأبناء منها الكثير دون أن يشعروا، ولذلك فإن رؤية الأخلاق الحسنة والهدوء والصدق والاحترام فيمن حوله قد يكون لها أثر أكبر من كثرة النصائح والتوجيهات، وفي المقابل، فإن تركه فترات طويلة مع أصدقاء السوء، أو ساعات طويلة أمام وسائل التواصل الاجتماعي، قد ينعكس عليه بصورة سلبية أيضا.

لذلك، لا بد من متابعة علاقاته وأصدقائه، ولكن بطريقة لا تشعره بالخجل أو التقييد أو انعدام الثقة، مع الحرص -في الوقت نفسه- على تشجيعه والثناء عليه عندما يقوم بسلوك مميز، أو يتصرف بصورة راقية.

• رابعا: جعل حفظ القرآن مدخلا إلى الخير:
إن حفظه القرآن إنجاز رائع، لكن ينبغي أن تكون لحفظ القرآن ثمار وآثار في النفس والسلوك، حتى يشعر بأن القرآن ليس مجرد محفوظات يرددها، وإنما هو كتاب يغير حياته ويقربه من الله، قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}.

ولذلك، يمكن توسيع دائرة هذا الخير تدريجيا، كتعليمه الأذكار، وآداب المسلم، وبعض الأحاديث والسيرة، وتشجيعه على حضور مجالس العلم المناسبة لعمره، دون أن يكون ذلك مرتبطا بالضرورة بمرافقة أشخاص لا يرتاح إليهم في هذه المرحلة، حتى تزول هذه الحواجز النفسية بالتدريج.

• خامسا: الدعاء والتضرع إلى الله:
لا تتوقف عن الدعاء له بأن يصلحه الله، ويشرح صدره للخير، ويرزقه الصحبة الصالحة، ويصرف عنه أصدقاء السوء، ويهديه إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه، وقد قال النبي ﷺ: ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه).

فلا تستهن بالدعاء، ولا تستعجل ثمرته، فقد يفتح الله على ابنك بسبب دعوة صادقة منك في وقت لا تتوقع فيه ذلك.

أخي الكريم، لكم دور مهم جدا في المنزل في تهيئة بيئة يشعر فيها ابنك بالانتماء والأمان والحب، حتى لا يبحث خارج البيت عن هذه الاحتياجات. فالحوار الهادئ، ومنحه مساحة مناسبة من الاعتماد على النفس، وإشراكه في بعض القرارات، وتكليفه بمهام ومسؤوليات مناسبة لسنه، كل ذلك يشعره بأنه محل ثقة، وأن له مكانة ودورا حقيقيا داخل أسرته. والأهم من ذلك كله، ألا يشعر بأن قيمته في الأسرة مرتبطة فقط بمدى التزامه أو حفظه للقرآن، وإنما يشعر بأنه محبوب ومقبول في جميع الأحوال، وأن الأسرة قريبة منه، وتساعده على تجاوز أخطائه ومشكلاته.

وأخيرا: لا تتوقع أن يتغير كل شيء في فترة قصيرة، وإنما يحتاج الأمر إلى الاستمرار والمجاهدة والصبر، ومع الدعاء، وحسن التعامل، والتدرج -بإذن الله- ستجد ثمرة ذلك مع الوقت.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مواد ذات صلة

الاستشارات