كيف أتعامل مع الوسواس الذي يعيدني دائمًا إلى نقطة الصفر؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا شيخ، أريد أن أوضح لك حالتي بالتفصيل؛ لأنني أريدك أن تعرف بماذا أفكر، وكيف يسيطر الوسواس علي.

أنا شخص منذ صغري أعاني من الوسواس في كل شيء، أي شيء أبدأ به في البداية أعمله بشكل صحيح، وأكون مرتبا أموري ومستوعبا لها، ثم يأتي الوسواس ويستمر في تشتيتي، في الدراسة مثلا، أعلق عند معلومة تافهة وسهلة، وأظل شاردا أناقش الفكرة لدرجة أنني أكره الشيء الصحيح ويحدث لدي تشوش فيه، لقد أعدت شهادة البكالوريا أربع مرات بسبب الوسواس، مع أنني كنت فاهما وحافظا للمقرر، ودخلت الجامعة ووصلت إلى السنة الثالثة في قسم الكيمياء، وبسبب المشكلة نفسها انقطعت عن الجامعة.

وكذلك في الصلاة، أعيد الجملة 100 مرة؛ لأنني أظن أنني أنقصت منها شيئا، وفي الأفكار الدينية حدث معي الشيء نفسه.

منذ فترة توصلت إلى طريقة تفكير أراحتني وغيرتني بشكل كبير، والتزمت وكان التغيير سريعا جدا، وشعرت بأنني أصبحت إنسانا آخر بمشيئة ربي، هذا الطريق هو الذي أراحني بعد ستة وعشرين عاما من الضياع والاكتئاب والدمار، فهل هذه الأفكار هي الشيء الذي غيرني بمشيئة ربي؟

الطريق الذي صرت أفكر فيه وتوصلت إليه، هو أن أقول لنفسي: ما شأنك بالبشر وكلام البشر؟ اترك البشر لرب البشر، أنا أريد أن أفكر بربي الذي هو الله تعالى، ولا أريد أن أبتعد عن طاعة ربي وعبادته، ومع ذلك تضطرب النية وتتذبذب في نفسي.

همي في هذه الحياة ربي، وديني الإسلام، وكتاب الله القرآن، وسنة رسول الله ﷺ، وآخرتي، ووالدي وذريتهما، وإخوتي وأخواتي، وجدتي وجدي، وزوجتي ومستقبلي وحلمي، وأقول: ربي علمني هذا الطريق، وهذا فضل ربي علي.

قاعدتي: ربي دائما يراني، فإذا واجهت طريقين، أختار الطريق الذي أراه أقرب لما يحبه الله ويرضاه، وإذا اخترت الصواب أبتسم ابتسامة خفيفة، ليس من باب الغرور، وإنما بمعنى: ربي سيحبني ويرضى عني، ولربي وحده أعمل هذا الشيء، لذا يجب ألا أفكر، ويجب أن أنسى وألا أذكر شيئا أبدا، وأريد أن أعمله حبا لله، وإيمانا بالله، وطاعة وعبادة وتعظيما لله، لا لمصلحة دنيوية أو مقابل.

وأقول: يا رب، كل الأعمال التي أقوم بها اجعلها خالصة لوجهك، ولا تجعل للنفس أو الشيطان فيها حظا ولا نصيبا حتى عندما أسامح شخصا أقول: سامحتك لله وأريد الثواب من الله، ولا أريد منك شيئا في الدنيا ولا الآخرة.

لكن المشكلة هي أن الوسواس يعود! في البداية أكون مقتنعا ومرتاحا، وبعدها يقول لي الوسواس: ارجع وناقش، ارجع وتأكد، ارجع وحلل، وأظل أفتح الفكرة نفسها حتى أشك في الشيء الذي كنت أفهمه بشكل صحيح، ويصيبني التشوش وأعود إلى نقطة البداية.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صفوت حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يمن عليك بعاجل العافية، وأن يصرف عنك عناء هذه الوساوس، ويريحك منها.

وبداية نقول -أيها الحبيب-: أنت مأمور بأن يكون لك دور في التخلص من هذه الوساوس؛ فالله تعالى قدر المقادير، وجعل لها أسبابا، وشرع لنا الأخذ بهذه الأسباب، والتفاعل الجاد معها. والوسوسة قد تصيب الإنسان أحيانا في مرحلة من مراحل حياته، وهي كغيرها من الأمراض التي قد يصاب بها الإنسان، والمطلوب منه أن يأخذ بالسبب الذي يدفع به هذا القدر، وقد قال رسول الله ﷺ: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وأمرنا في أحاديث كثيرة بالتداوي، فقال: تداووا عباد الله.

وهذا العلاج الذي تحتاج إليه -أيها الحبيب- منه ما هو شرعي، ومنه ما هو حسي مادي، ومنه ما هو نفسي، فاحرص على أن تستوفي هذه الأسباب؛ لتريح نفسك من هذا العناء.

أما أن تبقى دائرا في هذه الحلقة الوسواسية، وهي أن تحلل لتبحث عن جواب، ثم تجد هذا الجواب فترتاح قليلا، ثم تعود الفكرة الوسواسية بشكل أقوى من المثال الذي سبق، فتبحث عن جواب لترتاح قليلا، وهكذا، فبقاؤك على هذا الدوران في هذه الدائرة يعزز هذه الوساوس، ويقوي وجودها وحضورها، وليس سببا للشفاء منها والراحة من عنائها.

الراحة الحقيقية -أيها الحبيب- هي أن تتجاهل هذه الوساوس وهذه الأفكار تمام التجاهل، بأن لا تتفاعل معها بشيء، فلا تحلل ما تريد الوسوسة منك تحليله، ولا تبحث عن جواب للأسئلة التي تفرضها هذه الأفكار عليك، بل تجاهلها تماما.

ومما يسهل عليك هذا التجاهل ويهونه أن تعلم أن هذه أفكار محتقرة، لا تستحق الاعتناء والاهتمام، فالاعتناء والاهتمام بها لا يورثك إلا العناء والتعب، وليس ذلك مما أمرك الله تعالى به، ولا يحبه منك، بل الله تعالى يحب منك تجاهلها والإعراض عنها تماما؛ لأنه بنى دينه على اليسر والسهولة، وشرع لنا فيه من الأحكام ما يرفع عنا الحرج والضيق والمشقة، سواء في أحكام الطهارة والصلاة، أو في مسائل العقائد الإيمانية، أو غير ذلك.

فكل هذا العناء الذي تأتيك به هذه الأفكار مخالف لهذه الديانة العظيمة السمحة التي شرعها الله تعالى لعباده بقصد إسعادهم، كما قال سبحانه وتعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}، وقال سبحانه وتعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم}، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا.

فاتباعك لهذه الوساوس، واعتناؤك بها، واهتمامك بما تمليه عليك، هو في الحقيقة مخالف لهذا الطريق الرباني الذي شرعه الله تعالى لك، فإذا علمت هذه الحقيقة، وأيقنت بها تمام اليقين، فإنها ستسهل عليك تجاهل هذه الأفكار وتحقيرها.

وهذا هو الدواء النبوي الذي أرشد إليه الرسول ﷺ من ابتلي بشيء من الأفكار الوسواسية، فقال ﷺ: فليستعذ بالله ولينته وهذان توجيهان عظيمان؛ التوجيه الأول: هو اللجوء إلى الله تعالى، وطلب الحماية منه، بأن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حينما تداهمك أي فكرة من هذه الأفكار، والتوجيه الثاني: ولينته، أي: يترك هذه الأفكار، ويعرض عنها تمام الإعراض، ويشتغل بغيرها من الأشياء، سواء كانت دينية أو دنيوية.

نحن ندرك -أيها الحبيب- أن هذا قد يحتاج منك إلى شيء من الصبر والتحمل، ولكنك ستصل -بإذن الله تعالى- إلى النتيجة الطيبة المرجوة، والشاعر يقول:
والصبر مثل اسمه مر مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل

وأكثر من ذكر الله تعالى -أيها الحبيب- على الدوام، واستعمل الرقية الشرعية، فإنها أذكار وأدعية تنفع الإنسان على كل حال، سواء كان مريضا أو صحيحا، فاقرأ على نفسك القرآن، وخاصة آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، والآيات التي فيها ذكر الشفاء، كقول الله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين}، واقرأ: {قل هو الله أحد}، والمعوذتين: {قل أعوذ برب الفلق}، و{قل أعوذ برب الناس}.

اقرأ هذه الآيات وكررها على الدوام، واقرأها في ماء، ثم اشرب هذا الماء، وأفرغه على جسدك، فهذه من الأسباب الشرعية للتشافي، نسأل الله تعالى أن يمن عليك بالعافية.

وهذا الكلام الذي قلناه من التجاهل والإعراض عن الوساوس ينسحب على عباداتك كالصلاة، فلا تكرر الجملة، وإن بدا لك وظهر أنك قرأتها بشكل ناقص، فهذا النقص إنما هو فيما تظنه أنت بسبب هذا الوسواس، والحقيقة أنه ليس ناقصا، والله تعالى يتجاوز عنك، ويقبل منك ما تفعله.

فهذا هو التوجيه الشرعي المتعلق بمسألتك، ولا شك ولا ريب أنك بحاجة إلى إرشاد الأطباء النفسيين وغيرهم؛ لأنهم سيصفون لك من التمرينات والتدريبات والأدوية ما يساعدك على التخلص من هذه الأفكار.

نسأل الله تعالى أن يمن عليك بالعافية والشفاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي (استشاري الطب النفسي)
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

أخي الفاضل، إضافة إلى ما تفضل به الدكتور أحمد الفودعي، مشكورا، حيث أعطاك توجيهات مفيدة جدا، أضيف -أخي الكريم- واحمد الله تعالى على نيتك وهمتك في اختيار طريق ربك، وندعو الله تعالى لك ولنا بنية الإخلاص؛ فإنما الأعمال بالنيات.

أخي الفاضل، واضح أنك تعاني، وعانيت كثيرا، من هذه الأفكار الوسواسية القهرية، مما أثر على دراستك، حتى إنك اضطررت إلى ترك الجامعة.

أولا: أرجو أن تكون هناك فرصة لتعود إلى دراستك، إذا وجدت أن هذا ما تريد أن تفعله في حياتك.

ثانيا -أخي الفاضل-: طالما أننا نقول وسواسا قهريا؛ أي: إنها أفكار قهرية تأتي بالرغم عن الإنسان المصاب وإرادته، وتفرض نفسها عليه فرضا، فيحاول دفعها، إلا أنها تصر على اقتحام عقله وحياته، ولهذا أسباب كثيرة نفسية وعضوية.

ومن الأسباب العضوية: اضطراب بعض النواقل العصبية في الدماغ، مما ينتج عنه هذا، وبعض الذين يصابون بمثل هذه الأفكار القهرية قد يصابون أيضا بشيء من الاكتئاب؛ لذلك علينا أن نعالج هذا الاضطراب النفسي بالدواء المناسب، ونبينا ﷺ أرشدنا بقوله: تداووا عباد الله، وإن هذا كما ينطبق على الأمراض البدنية، فإنه ينطبق أيضا على الأمراض النفسية، ومنها الوسواس القهري.

أخي الفاضل، بعض الناس ممن يعانون من حالة خفيفة إلى متوسطة من الوسواس القهري يستطيعون مقاومة هذه الأفكار والاستمرار في حياتهم، وينجحون في الحد من تأثير هذه الأفكار القهرية على حياتهم، ولكن إن صعب عليك ذلك، فهنا لا بد من اللجوء إلى العلاج الدوائي.

فالطبيب النفسي يمكن أن يؤكد التشخيص، ويصف لك أحد الأدوية المضادة للوسواس القهري، وهي في نفس الوقت أدوية مضادة للاكتئاب، مما يحسن المزاج، ويساعدك على متابعة طريقك في هذه الحياة.

أخي الفاضل، لا تجعل وصمة المرض النفسي تمنعك من استشارة الطبيب النفسي، كما كان في الماضي، وأرجو ألا تتردد أو تتأخر -إذا أردت التعافي- في زيارة عيادة الطب النفسي -مثلها مثل العيادات الأخرى-؛ ليصف لك الطبيب الدواء المناسب.

دعواتنا لك بتمام الصحة والعافية والتوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات