أجد الطمأنينة في الصلاة لكنني أعجز عن المواظبة عليها، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا امرأة متزوجة ولدي خمسة أطفال، حياتي الأسرية غير مستقرة، لكن مشكلتي الأساسية هي علاقتي بديني؛ فأنا لا أستطيع الالتزام بالصلاة، مع يقيني التام بوجود الله ووحدانيته وأننا خلقنا للعبادة، ومع أنني أرتاح جدا عندما أصلي وأشعر بالطمأنينة عندما أكون ملتزمة، وعلى العكس؛ فعندما أترك الصلاة أشعر بالقلق الدائم والضياع والتشتت، وأكره نفسي والدنيا والناس أجمعين.

لكنني لا أستطيع الالتزام؛ فلا تمر علي بضعة أيام وأنا متمسكة بالصلاة في أوقاتها حتى أكون قد تركتها وبدأت بالمماطلة، وما إن أترك فرضا تسول لي نفسي بقطع الصلاة تماما، حتى وصلت إلى مرحلة أنني أنوي وتكون لدي الرغبة الملحة لكني لا أستطيع، ولا تعود لي طاقة للقيام، وخصوصا في وقت الفجر؛ حيث إنه بطبيعة عمل زوجي يأتي في وقت متأخر، وعندما أنوي أن أبقى مستيقظة لكي أصلي الفجر أنام قبل الأذان بدقائق.

حاولت كثيرا وكثيرا بنفسي، وفي كل مرة كنت أصلي لله وأقول إن هذه هي التوبة الأخيرة، وأني مستحيل أن أترك الصلاة مرة أخرى.

أنا الآن ضائعة ومتعبة وغاضبة دائما، وهذا يؤثر على علاقتي مع زوجي وأهلي وأولادي، ومستاءة وليس لدي رغبة في أي شيء.

تراودني أفكار انتحارية دون حول مني؛ ففي كل مرة أقف فيها على الشرفة أتخيل أنني أرمي نفسي، وكل مرة أركب فيها السيارة أتخيل أني أفتح الباب وأقفز، لا أستطيع التخلص من هذه الأفكار، وتأتيني رغما عني، أريد حلا سريعا فقد تعبت وليس لدي أحد كفؤ لكي أطلب منه المساعدة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عائشة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك ثقتك في الموقع وتواصلك به، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويزيل همك وغمك.

وقد أصبت الحقيقة -ابنتنا الكريمة- حين علمت أن طمأنينة القلب وانشراح الصدر إنما يحصلان حينما يكون الإنسان ملتزما بطاعة الله تعالى، وخاصة الصلاة، فقد قال الله في كتابه الكريم: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، والصلاة راحة للروح والنفس، فقد كان الرسول ﷺ يقول: أرحنا بها يا بلال، حين يأمره بأن يقيم الصلاة.

والأحاديث النبوية كثيرة جدا في بيان أثر الصلاة في نفس الإنسان، فإنها تبعث في نفسه الطمأنينة والراحة، كما قال الله -عز وجل-: {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون}.

فالصلاة -بلا شك- لها آثارها الروحية والنفسية على الإنسان، وحينما ينقطع الإنسان عن صلاته، أو يهملها ويتركها، فإنه ليس مستغربا أن يصاب بالضيق والكآبة.

فهذه الحقيقة أنت وصلت إليها بالتجربة والفعل، فلسنا بحاجة إلى زيادة على ما توصلت إليه من الإيضاح والبيان، ولكننا هنا نذكرك بأمور من شأنها أن تكون معينة لك على الحفاظ على الصلوات:

• أولا: اعلمي أن الله تعالى لا يكلفك إلا ما تستطيعينه، فقد قال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، وقال سبحانه: {فاتقوا الله ما استطعتم}، والرسول ﷺ يقول: وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم.

فأنت إذا نمت عن الصلاة بغير تعمد منك لإضاعة الصلاة في وقتها، فلست آثمة بهذا الفعل، فقد قال الرسول ﷺ: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فلا تحاسبي نفسك على ما سامحك الله تعالى فيه، ورخص لك فيه، فمن الطبيعي أن يكون سلوكك هذا محاسبتك سببا للقلق والضيق.

فما وصفته من استيقاظك لصلاة الفجر، المطلوب منك فقط أن تجتهدي -بقدر استطاعتك- في أن تنامي في وقت مبكر، إذا قدرت على ذلك، وأن تستعملي المنبهات للاستيقاظ للصلاة في وقتها، فإذا تأخرت في النوم بسبب انتظار زوجك، أو غير ذلك من الأعذار، فلست آثمة بهذا، واستعملي أدوات التنبيه، وحاولي الاستعانة بمن حولك، إن كان هناك من يساعدك على الاستيقاظ، فإذا لم تستيقظي، وغلبك النوم، فلست آثمة بهذا الفعل، ومتى استيقظت من النوم، فصلي صلاة الفجر، فقد قال الرسول ﷺ: من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، فهذا هو وقتها في حقك، والله تعالى يتقبلها منك، ويثيبك عليها، وستنفعك هذه الصلاة كثيرا، ولو كنت تظنين أنها خارج وقتها.

• ثانيا: أن تعلمي -ابنتنا الكريمة- أن الصحبة الصالحة لها دور كبير في تسهيل الطاعات على الإنسان، فحاولي أن تتعرفي إلى النساء الصالحات الطيبات، والبنات الصالحات، وأن تتواصلي معهن، وأن تمدي أسباب التواصل بينك وبينهن؛ للإعانة على الخير، فهن خير من يعينك على الاستمرار في هذا الطريق.

• ثالثا: من الوسائل النافعة كثرة الدعاء إلى الله تعالى أن ييسر لك الخير، ويعينك عليه، فقد قال الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل -وهو شاب-: يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.

وبهذا تدركين -أيتها البنت الكريمة- أن محافظتك على الصلاة -بإذن الله تعالى- أمر سهل يسير، ليس فيه مشقة ولا عنت.

• رابعا: مما يعينك على الحفاظ على الصلوات أن تقرئي بعض الأحاديث التي ترغبك في الصلاة، وتبين لك ثوابها، والجوائز التي رتبها الله تعالى على المحافظة عليها، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وهناك كتيب صغير نافع جدا اسمه: لماذا نصلي؟، حاولي أن تبحثي عنه في الإنترنت، وستجدينه، وقراءتك له ستكون نافعة جدا ومؤثرة -بإذن الله تعالى-.

وأخطر ما في السؤال الذي وضعته بين أيدينا -ابنتنا الكريمة- هو كلامك عن الفكرة الانتحارية، هذا الخطر العظيم ينبغي أن تكوني حذرة منه كل الحذر، وإذا كنت تجدين فعلا أفكارا ترغبك في الانتحار، فلا ينبغي أن تكتمي هذا على من حولك، حاولي أن تبيني ذلك لشخص تثقين به، وألا تبقي منفردة بنفسك وقت ورود هذه الأفكار عليك، وأن تبتعدي عن الأسباب والوسائل التي يمكن أن تسيئي بها إلى نفسك أو تؤذيها.

لا تكتمي هذا عن أحد تثقين به، وحاولي أن تستعيني بمن حولك، وأنت بحاجة أيضا إلى أن تعرضي نفسك على الطبيب النفسي، فإنه سيصف لك -بإذن الله تعالى- من الأدوية، ويقدم لك من التوجيهات والتنبيهات والتدريبات ما يعينك على التخلص من هذه الفكرة الخطرة جدا؛ فإن الانتحار ليس انتقالا من عناء وتعب إلى راحة ونعيم، كما قد تزين لك هذه الأفكار الانتحارية، الانتحار انتقال من عناء بسيط إلى عناء كبير دائم، وهو اعتداء على النفس، وذنب عظيم، وعاقبته خطيرة.

فاحذري كل الحذر من أن يجرك الشيطان، وتجرك النفس الأمارة بالسوء، إلى أن تسيئي إلى نفسك هذه الإساءة العظيمة.

نسأل الله تعالى أن يحميك من كل شر، وأن يصرف عنك كل مكروه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية)
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض (استشاري الطب النفسي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نرحب بك -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

أختي الفاضلة، إضافة إلى ما ذكره الدكتور الفاضل أحمد الفودعي، فإني أقول لك: إن ما تعانين منه إنما هو حالة معروفة من الأفكار الوسواسية القهرية، والتي تأتي بعدة أشكال، منها: الخوف من أن يفقد الإنسان السيطرة على نفسه، ويقوم بأفعال مؤذية لا إرادية، ومنها ما ذكرت من فكرة الخوف من أن تلقي بنفسك من الشرفة، أو أن تفتحي باب السيارة وهي تسير.

كل هذه الأفكار القهرية لا تدل على أنك تريدين إيذاء نفسك، بل تشير إلى خوفك من أن تفقدي السيطرة لا إراديا، وتقومي بهذه الأعمال المؤذية أو غيرها، فهذا شكل من أشكال الوسواس القهري أو الأفكار القهرية.

أختي الفاضلة، هذه الأفكار القهرية تحتاج -بالإضافة إلى ما ذكره لك الدكتور أحمد الفودعي- إلى علاج دوائي، وفي أمريكا -حيث أنت- العيادات النفسية كثيرة، والتشخيص معروف لدى جميع الأطباء، والأدوية معروفة في كل أنحاء العالم.

حيث يؤكد الطبيب أنه وسواس قهري "OCD"، ثم يصف لك الدواء المناسب، وهو أحد الأدوية المضادة للأفكار القهرية، وهو في نفس الوقت دواء مضاد للاكتئاب، مما يمكن أن يحسن المزاج.

أخيرا، أحمد الله تعالى لك -أختي الفاضلة- على أنك تشعرين بالاطمئنان وأنت في الصلاة، فهذه نعمة عظيمة، احرصي عليها، وكما يقول ربنا سبحانه وتعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

أختي الفاضلة، أرجو ألا تمنعك وصمة المرض النفسي "Stigma" من أن تراجعي العيادة النفسية؛ كل إنسان يمكن أن يتعرض لمثل هذه الصعوبات النفسية، والتي تحتاج إلى علاج، بتوجيه نبينا ﷺ: تداووا عباد الله، وكما أن هذا التوجيه النبوي الكريم ينطبق على الأمراض البدنية، فإنه ينطبق أيضا على الأمراض النفسية، ومنها مثل هذه الأفكار القهرية التي تأتيك بين الحين والآخر، سواء الخوف من إيذاء نفسك، أو ما يتعلق بالذات الإلهية.

أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، وإن شاء الله نسمع أخبارك الطيبة.

مواد ذات صلة

الاستشارات