ديون والدي أصبحت عبئًا علينا ووالدتي تفكر بالطلاق، فما توجيهكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

للأسف، نشأت على مشكلة كبيرة بين أمي وأبي، وتفاصيلها أن أمي تفاجأت بأنه مدين بدين كبير، فوقفت بجانبه وسددت دينه، وبعد سنين اكتشفت أنه بين الحين والآخر يبيع شيئا من خلفها حتى شقة الزوجية، ولم تعرف منه ما السبب، ولا حتى الأموال التي يستدينها من الناس أين تذهب!

مرت سنوات وكل فترة نكتشف أنه يطلب من معارفه أموالا على سبيل السلف ولا يسدد، وتضطر أمي للتصرف وسداد الدين من أجل سمعتنا، ونحن على هذا الحال منذ أربعة وعشرين عاما، حتى أصبحنا نخاف أن يذكر اسمه فيعيرنا به أحد، والله أعلم ماذا يفعل بالمال؛ فهو لا يرضى أن يفصح عن أي شيء.

وعندما يطلب مني مالا للاقتراض أصبحت أعطيه من وراء أمي؛ لأنني أقول في نفسي: يأخذ مني أفضل من الغريب، ولكنني في الوقت نفسه لا أعرف إن كنت بذلك أساعده لكي يتمادى في الخطأ، أم إن الواجب يقتضي مساعدته ماديا من باب البر بالوالدين؟

نحن غاضبون منه جدا؛ لأنه السبب في كل مشاكل حياتنا، ونشعر أن البيت لا بركة فيه بسبب مشاكله وما يفعله بالناس، ومهما تحدثنا معه بالحسنى لا يتجاوب، ويرتفع ضغطه من النقاش فنضطر للسكوت، وكتم الحزن في داخلنا.

أنا وأمي وإخوتي أصبحنا طوال الوقت خائفين من الناس، ونقول: الله أعلم ماذا فعل بالناس من ورائنا؛ لأننا نلاحظ أن تعاملات الناس اختلفت معنا بسببه، ويأخذوننا بذنبه، ظانين أننا نعرف شيئا عن ديونه.

ماذا نفعل معه؟ أمي ترغب في الطلاق منه، ولكنها تخاف علينا لكي لا تبدو كأنها ترمي المسؤولية علينا، وأختي أصيبت بالاكتئاب بسبب ما تراه معه في بيت واحد، وتظهر لها أورام ليفية حميدة قد يكون سببها الحزن والزعل، وهو لا يقدر كل هذا!

فكيف نتصرف؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ندى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام بأمر الوالد وبأمر الأسرة، ونسأل الله أن يصلح الأحوال، وأن يهدي هذا الوالد لما يحبه ربنا ويرضاه، وأن يعينكم على معرفة أوجه الصرف التي تذهب فيها هذه الأموال.

وقد أسعدنا صبركم على الوالد، والإنسان يؤجر على صبره، ولستم مسؤولين عن الأعمال التي تصدر منه؛ لأنه: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}، ولكن من المهم أن تستمروا في الاجتهاد والقرب منه، ومعرفة مصادر هذه الأموال، وأين تذهب أيضا، ومن الذين أخذ منهم، وأين تذهب هذه الأموال التي يأخذها.

وهذا نوع من الابتلاء الذي تحتاجون إلى أن تصبروا عليه، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعوضكم خيرا، وأن يعين الوالد حتى يبين لكم ما الذي يحدث معه، وأنا أقدر هذا الانزعاج الحاصل، وهذا القلق الذي يحصل للأسرة بسبب هذه المشكلات، وبسبب هذا الغموض في التصرفات المالية الخاصة بالوالد، ولكن نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعل عاقبة صبركم خيرا.

عموما، أنتم بحاجة إلى أن تحسنوا التعامل معه، وبحاجة إلى ألا تعطوه إلا النزر اليسير للأشياء الضرورية، وأن تحسنوا الاعتذار، فلا تقولوا: "لا نعطيك، وأنت كذا"، لا، بل تحسنوا الاعتذار، وتحاولوا أن توفروا شيئا من الأموال للأشياء الأساسية التي تحتاجها الأسرة، ونسأل الله تبارك وتعالى أيضا أن يعينكم على كشف هذا السر.

وإذا كان هناك أعمام يعرفون حاله ويعرفون وضعه، أو أخوال، أو أي محارم بالنسبة لكم يعرفون هذا الإشكال، فأرجو أيضا أن يعاونوكم في معرفة أوجه صرف هذه الأموال، ولعلكم بالبحث أيضا تهتدون لبعض هذه الأوجه التي ينفق فيها الأموال، والناس الذين يمكن أن يأخذوا منه هذه الأموال.

وعموما، نبشركم بأن عاقبة هذا الصبر إلى خير، وأرجو ألا يتحول الأمر إلى اكتئاب أو حزن؛ لأن هذا نوع من الابتلاء، ولستم مسؤولين عن تصرفات الوالد، وأرجو ألا تعطوا كلام الناس أكبر من حجمه؛ فالناس ينبغي أن يحموا أموالهم، وإذا تكلم أحدهم فبينوا لهم أن عليهم ألا يتساهلوا في هذا الأمر، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينكم على تجاوز هذه الصعاب.

وما يقوله الناس من خلفكم حسنات تعود إليكم؛ لأنكم الآن حاولتم، وبذلتم المجهود، وقمتم بالأمر الذي تستطيعون القيام به، و{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.

وشكرا لك أيضا على محاولة إعطاء الوالد ما تستطيعين إعطاءه، ولكن وأنت تعطينه تلطفي به، واسأليه: "يا والدي، ما حاجتك؟ نحن نأتيك بما تريد"، يعني: بدلا من أن تقولي: "ماذا تريد من الأموال؟" قولي له: "أنا أوفر لك ما تريد، حتى لو أستدين"، حتى هو يطمئن، ونتمنى أن يكون هذا الإحسان منك سببا في أن يكون أيضا قريبا منك، ويكشف لك ما عنده من أسرار، ومشكلات؛ لأنه إذا عرف السبب بطل العجب، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يختم لنا جميعا بالخير.

نشكر لك الكلام باسم الأسرة، وحاولي أيضا أن تخففي عن الإخوة والأخوات الذين يتضررون صحيا من هذا الذي يحدث، فهذا ابتلاء من الله -تبارك وتعالى- ونسأل الله أن يجعلنا ممن إذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا؛ هو ولي ذلك والقادر عليه.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات