صراع نفسي بعد وفاة أمي بسبب كلمة ندمت عليها، فماذا أفعل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة مصابة بالسحر وتلبس المس، وأيضا عائلتي، وثبت ذلك بعد سنوات من الرقية عند رقاة شرعيين مختلفين، ودائما الأعراض نفسها وأنواع السحر نفسها، ولحد الآن لم نشف!

نشأنا في بيتنا على مشاكل عديدة وكبيرة من طرف أبي؛ من ضرب لأمي وأخي، وسب، وطرد من المنزل لنا جميعا، مما يعني أن حياتنا الأسرية مرت بضغوط ومشاكل عظيمة، وأنا أصبحت لا أتحمل الضغط أبدا، وعندما أضغط أتحول حرفيا لشخص آخر، ولا أستطيع السيطرة على نفسي ولا على كلامي، كأن شخصا آخر في داخلي.

إضافة إلى القلق الشديد بسبب السحر، وأيضا بيننا مشاكل على أتفه الأسباب من سحر التفريق بيننا، أصيبت أمي بالسرطان، و-للأسف- لم تظهر أعراضه إلا بعد أن وصل إلى آخر مرحلة وانتشر، وتوفيت -رحمها الله- منذ ثلاثة أشهر.

قبل ظهور المرض على أمي بحوالي ثلاثة أشهر، كانت أمي -من كثرة الخوف من أبي- تضغط علي بشدة في كل شيء؛ في دخولي وخروجي وفي المنزل وغيره، ضغطتني مرة بشدة، فدعوت عليها بعد أن ذهبت بأن تصاب بالسرطان وأرتاح، ولكن -والله العظيم- لم أكن أنا التي دعوت، أحسست بأن لساني نطق وحده، ووالله لم أدع على شخص في حياتي، فكيف بأمي التي أحبها ولم أدع عليها في حياتي من قبل! وندمت وصليت في اللحظة نفسها ركعتين، ودعوت الله ألا يقبل دعائي، وأنني لم أع ولم أقصد ما قلته، ودعوت لأمي.

الآن بعد وفاتها أنا في حالة يرثى لها من الندم وتأنيب الضمير، أقول لنفسي إن أمي مرضت وتوفيت بسبب دعائي، على الرغم من أنني كنت أنا التي آخذ أمي في حياتها إلى الأطباء، وأقضي شؤونها في خارج البيت، وأعينها في داخله، وأحبها، وأشتري لها الهدايا وكل شيء، وفي مرضها الأخير قمت على شؤونها رفقة بأخواتي، وأسهر معها، وبقيت معها إلى آخر لحظة، مما يعني أنني أحب أمي كثيرا.

قبل أيام نطق المس على لساني كالعادة، وقال لي: "أخذت أمك لأنكم تحاربونني، وسآخذ كل عائلتك إن بقيت تحاربينني"، وأنا كذبته واستغفرت، وقلت: "الله هو من يقبض عباده وليس أنت"!

ماذا أفعل؟ أنا أجلد نفسي كل ثانية على ما تفوهت به! هل كان ذلك دعائي أنا أم لست أنا من نطق به؟

أرجوكم أفيدوني، شكرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سمية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، وأنا سوف أجيب عن رسالتك من المنظور النفسي، حيث إنني طبيب نفسي، وسوف يقوم أحد إخوتي -أحد الإخوة المشايخ الكرام- بإرشادك شرعيا -إن شاء الله تعالى-.

أيتها الفاضلة الكريمة، نحن نؤمن بالسحر والعين والمس، ولكن لا نؤمن به بهذه الطريقة التي ذكرتها، فالإنسان مكرم، وقد قال الله تعالى: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين}، ولا يمكن للسحرة وغيرهم أن يهيمنوا على حياة الناس، فليس لهم سلطان على أحد، وقد قال الله تعالى عن الشيطان: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}، وقال سبحانه عن السحر: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}، وقال تعالى: {وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.

فأرجو -أيتها الفاضلة الكريمة- ألا تعززي هذا الاعتقاد وهذا الشعور، وعلى العكس تماما، حقري هذا الشعور، فأنت في حفظ الله وفي رعاية الله، وتحافظين على صلاتك، وعلى وردك القرآني، وعلى أذكارك، وإن كان هناك شيء من هذه الأشياء، فإن الله سيبطله، وهذا يجب أن يكون معتقدك.

ومن الواضح جدا أنه يهيمن عليك قلق نفسي، وهذا يعالج طبيا من خلال مقابلة الطبيب النفسي، وهناك الآن أدوية فعالة جدا لعلاج مثل هذا القلق والتوترات.

بالنسبة لموضوع والدتك -عليها رحمة الله-، فالذي نعرفه هو أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذٰلك لمن يشاء}، فالذي حدث من دعاء من جانبك، ما دمت لا تقصدينه -أو حتى إن كنت تقصدينه-، فالله يرحم ويغفر، ولا يعني أن إصابة والدتك بالسرطان كانت استجابة لدعائك؛ لأن الدعاء على الوالد يدخل في الاعتداء في الدعاء.

فأنت -الحمد لله- الآن نادمة ومستغفرة، و-إن شاء الله تعالى- هذه توبة مقبولة، وهناك أشياء مهمة يمكن أن تقومي بها: أولا، عليك بالدعاء لوالدتك، وعليك بأن تصلي من كانت تصلهم، فهذا مهم جدا، وعليك بالصدقات إن استطعت، هذا -إن شاء الله تعالى- يكفي تماما، ويجعلك في وضع نفسي متوازن -إن شاء الله-، وكما ذكرت لك، سوف يقوم أحد الإخوة المشايخ الكرام بإسداء النصائح لك في هذا السياق.

إذا، حالتك هي حالة قلق نفسي، وليس أكثر من ذلك، تحتاجين إلى أن تقابلي طبيبا نفسيا، وتحتاجين إلى علاج دوائي بسيط، وأنا يمكن أن أعطيك اسم الدواء، فهناك دواء يسمى إسيتالوبرام “Escitalopram”، وهذا هو اسمه العلمي، وله مسميات تجارية كثيرة، منها سبرالكس “Cipralex”.

الجرعة المطلوبة في حالتك هي أن تبدئي بنصف حبة، أي (5 ملغ) يوميا لمدة عشرة أيام، ثم اجعليها حبة كاملة، أي (10 ملغ) يوميا لمدة شهرين، ثم (5 ملغ) يوميا لمدة عشرة أيام، ثم (5 ملغ) يوما بعد يوم لمدة أسبوع، ثم توقفي عن الدواء، وهو دواء سليم ورائع وغير إدماني.

وبجانب هذا الدواء، هناك دواء آخر يسمى ريسبيريدون “Risperidone”، تناوليه بجرعة (1 ملغ) ليلا لمدة شهرين، ثم توقفي عن تناول الدواء.

وطبعا عليك بالرقية الشرعية، هذا مهم جدا، وعليك أن تصرفي انتباهك تماما عن هذا التفكير، وذلك بأن تشغلي نفسك بما هو مفيد، كالأعمال المنزلية، والعناية بأفراد أسرتك الآخرين، والقراءة، والاطلاع، والانضمام إلى إحدى حلقات القرآن، وممارسة أي رياضة تناسب الفتاة المسلمة، وأرجو أن تحرري نفسك من هذا الاعتقاد الذي لا أراه صحيحا حول أن السحر والمس يؤثر عليك كل هذا التأثير.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم (استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان)
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب.

قد أفادك الأخ الفاضل الطبيب الدكتور محمد بنصائح طبية نفسية قيمة جدا، نرجو الله تعالى أن ينفعك بها، وأن يعينك على العمل بتوجيهاته، ونزيدك من الناحية الشرعية -ابنتنا الكريمة- الكلام حول نقاط:

▪ أولا: لا ينبغي لك أن تستسلمي لتفسير ما يحدث لك على أنه مس؛ فهذا الاستسلام في حد ذاته سيورثك أنواعا من الضعف والحزن والقلق والهم، فتوكلي على الله -سبحانه وتعالى- وتحصني بما أمرك الله تعالى بالتحصن به.

فقد شرع الله تعالى لنا العبادات والأذكار على اختلاف أنواعها، مفرقة في الأوقات والأزمنة خلال اليوم والليلة؛ ليحصل لنا التحصن بها والامتناع من المؤذيات.

فأول ما ننصحك به المحافظة على الفرائض، وخاصة الصلوات الخمس في أوقاتها، وينبغي ويستحسن أن تكوني محافظة على الطهارة في سائر الأوقات، وأن تحافظي على الأذكار الموزعة خلال اليوم والليلة؛ كأذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، ودخول الحمام والخروج منه، وغير ذلك.

▪ ثانيا: أكثري من قراءة القرآن ما استطعت -ابنتنا الكريمة-، وخاصة سورة البقرة، إن استطعت أن تكرري قراءتها فهذا شيء حسن، وإلا فعلى الأقل أن تكرري آية الكرسي والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، فأكثري من ذكر ربك من خلال قراءة كلامه، والتعلق بمصحفه؛ فإن هذا من أعظم أسباب الوقاية والتحصين.

▪ ثالثا: ينبغي أن تحرصي على استعمال الرقية الشرعية، والرقية الشرعية أمرها سهل بسيط، لا تحتاج إلى أحد يرقيك، فأفضل من يرقيك أن ترقي نفسك بنفسك، والرقية عبارة عن آيات من القرآن الكريم تقرئينها، وأدعية تدعين بها ربك، وهي تنفع -بإذن الله تعالى- الإنسان المصاب بشيء والإنسان الذي لم يصب.

فاقرئي سورة الفاتحة، ولو قدرت على قراءة سورة البقرة كاملة فهذا شيء حسن، فإن لم تقدري فاقرئي آية الكرسي والآيتين الأخيرتين منها، والآيات التي يذكر الله تعالى فيها الشفاء؛ مثل قول الله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور}، ومثل قول الله -سبحانه وتعالى-: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة}، وقول الله -سبحانه وتعالى-: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}.

واقرئي سورة الإخلاص: {قل هو الله أحد}، والمعوذتين: {قل أعوذ برب الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}، واقرئي الآيات التي فيها إبطال السحر، فهذا كله ذكر لله تعالى ينفعك على كل حال وعلى كل تقدير.

وبعد أن تقرئي انفثي في ماء؛ يعني أخرجي هواء من فمك مصحوبا بقليل من الرطوبة، انفثي في الماء، ثم اغتسلي من هذا الماء واشربي منه، فهذه هي الرقية الشرعية، ولو استعنت بأحد الأشخاص الذين يلتزمون بالسنة، ويحسنون الرقية الشرعية، فهذا أمر جائز.

▪ رابعا: أحسني ظنك بالله -سبحانه وتعالى- أنه سيحميك ويدافع عنك؛ فإنه قد قال سبحانه: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}، ومن توكل على الله كفاه الله -عز وجل- وحماه، قال سبحانه: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}، وقال سبحانه: {أليس الله بكاف عبده}.

فكوني واثقة من أنك تتمسكين بالقوي المتين -سبحانه وتعالى- وتلجئين إليه، وهو على كل شيء قدير.

▪ خامسا: لا تقلقي أبدا من موت إنسان، أو أن أحدا سيموت قبل أجله، أو غير ذلك من هذه الأفكار التي تداهمك؛ فالآجال قد كتبها الله قبل أن نخلق، كل شيء بقدر؛ كما قال الرسول ﷺ، فلا تحملي نفسك قلقا لهذا الجانب أبدا.

▪ سادسا: أما والدتك؛ فنرجو الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر لها ويرحمها، ويجعل ما أصابها كفارة ورفعة لدرجاتها، واعلمي أن الإنسان إذا أصيب بمرض ومات فيه فإنه ترجى له الشهادة؛ لأن النبي ﷺ قال: المبطون شهيد؛ يعني الذي يصاب بداء في بطنه فهو شهيد.

فنرجو الله تعالى أن يكتب لأمك هذه المنزلة، فلا تحزني كثيرا، ولعل الله أراد بها الخير حين أصابها بشيء من المرض قبل أن تموت، أما الموت فإنه كان سيأتيها في هذا التوقيت، مرضت أو لم تمرض.

▪ سابعا: لا ينبغي أبدا أن تحملي نفسك أنت ثقل ما أصاب أمك، وأنه كان بسببك أنت؛ فقد ذكر لك الدكتور محمد في كلامه أن دعاءك من قبيل الدعاء الذي اعتدى فيه صاحبه، وفعلا الدعاء على الوالد أو الأم من الدعاء المعتدى به، والله تعالى لا يقبل دعاء المعتدي؛ كما قال سبحانه: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}.

فلا نظن أبدا أن إصابتها بالمرض كانت بسبب دعائك، ولكنه شيء قد قدره الله عليها قبل أن تخلقي، فكوني على ثقة من أن كل شيء يجري وفق قضاء الله تعالى وقدره، وأن الله يقدر كل شيء لحكمة، وهو أرحم الراحمين، يعلم ما يصلحنا، وهو أرحم بنا من أنفسنا وأمهاتنا وآبائنا.

وفقك الله لكل خير، ونرجو أن تمتثلي لتوجيهات الأخ الفاضل الدكتور/ محمد بما أرشدك إليه؛ سواء من الناحية الطبية وأخذ الدواء، أو من ناحية كيفية الإحسان إلى أمك المتوفاة، فذلك نوع من البر بها، فإن البر لا ينقطع بالموت، وقد سئل النبي ﷺ عن هذا، فبين -عليه الصلاة والسلام- أن البر متصل بعد الممات، وأنه يأخذ أشكالا عديدة.

ومن هذه الأشكال: الدعاء، وكثرة الاستغفار لها، والصدقة عنها، وأداء الحقوق التي عليها إذا أمكن، وصلة الأرحام التي لا توصل إلا بها، وصلة أصدقائها وأحبابها، فهذه كلها من أوجه البر بأمك بعد وفاتها.

نسأل الله أن يوفقك لكل خير، وأن يصرف عنك كل سوء ومكروه.

مواد ذات صلة

الاستشارات