هل التزامي وحيائي هما السبب في ألا يلتفت إليَّ أحد أو يتقدم لي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة محتشمة -والحمد لله-، محافظة على صلاتي وديني، وأحاول أن أكون اجتماعية ولكن في حدود الأدب والاحترام، ولا أتحدث مع الشباب مطلقا، ولا أخرج كثيرا إلا للضرورة. المشكلة هي أنني أشعر بإحباط كبير وشديد، ولم يعد لدي ثقة في نفسي لدرجة أنني في بعض الأوقات أشعر بأنني "غير مرغوب في"، أو أنني لست جذابة بصورة كافية!

والذي يؤلم نفسي أكثر ويقهرني في داخلي، هو كلام أهلي معي في البيت؛ فللأسف في بعض الأوقات يمزحون معي بطريقة توجع القلب، ويقولون لي أشياء مثل: (ولا زبال يخبط على بابك!)، أو يستمرون في مقارنتي بفتيات أخريات غير منضبطات، يخرجن ويتحدثن مع الشباب، ومع ذلك يأتيهن الخطاب وناس كثير يتقدمون لهن!

أنا أصبحت محتارة وخائفة، هل أنا أسير في الطريق الخطأ؟ هل التزامي وحيائي هما السبب في ألا يلتفت إلي أحد أو يتقدم لي؟ وما الحكمة مما أنا فيه الآن؟

أرجوكم ردوا علي وأريحوا قلبي بكلام من الدين والواقع؛ لأنني تعبت من كثرة التفكير، وأشعر بأنني غير مرغوب في، وفي أوقات كثيرة أبكي على ما يحدث معي!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر قلبك، ويحفظ عليك دينك وحياءك، ويرزقك زوجا صالحا تقر به عينك.

فأول ما ينبغي تصحيحه عندك هو هذه المعادلة المؤلمة التي بدأت تتكون في داخلك: لم يتقدم لي أحد، إذا أنا غير مرغوبة، وغيري يتقدم لهن الرجال، إذن هن أجمل أو أفضل مني، هذه المعادلة غير صحيحة شرعا ولا واقعا؛ فالزواج رزق له أسبابه وأقداره وأوقاته، وليس مسابقة تفوز فيها الأكثر جمالا أو مخالطة للرجال، ولكي لا يتحول تأخر الزواج إلى حكم قاس على نفسك ودينك نرجو منك أن تنتبهي لما يلي:

أولا: لا تندمي لحظة على حيائك والتزامك بسبب أن غيرك ممن تتساهل في العلاقات يتقدم لها الخطاب، طاعة الله ليست سببا للخسارة، والمعصية ليست طريقا للرزق، وقد ترين فتاة كثيرة العلاقات تزوجت سريعا، وأخرى شديدة الحياء تأخر زواجها، كما ترين العكس؛ لأن الزواج قدر ورزق، وليس جزاء فوريا على كل تصرف، فلا تقولي: لو كنت أكلم الشباب لعرفني الناس وتزوجت، فليس من الحكمة أن تخسري شيئا من دينك بحثا عن رزق كتبه الله لك قبل أن تولدي.

ثانيا: كلام أهلك من قبيل: ولا زبال يخبط على بابك ليس مزاحا مقبولا، -وللأسف- يقع فيها كثير من الآباء بقصد المزاح فقط، فلا تنشغلي بها ولا تعيريها اهتماما، واعلمي أن هذا قاسم مشترك في أغلب الأسر.

ثالثا: قيمتك لا يمنحها لك رجل يطرق بابك، ولا يسلبها منك تأخره، فأنت إنسانة لها دين وعقل وأخلاق وشخصية ومستقبل، والزواج جانب مهم من الحياة، لكنه ليس شهادة تصدر عن الرجال بأن المرأة جميلة أو جديرة بالمحبة، ومن أخطر ما تفعلينه بنفسك أن تنظري في المرآة بعين عدد الخطاب؛ فكم من جميلة تأخر زواجها، وكم ممن هي دونها جمالا تزوجت مبكرا؛ لأن المسألة أوسع كثيرا من الجمال.

رابعا: الالتزام لا يعني الانغلاق عن المجتمع، حافظي على حدودك الشرعية، لكن وسعي دائرة الحياة المباحة: صلة الأقارب، ومجالس النساء، والمناسبات العائلية، والعمل أو الدراسة النافعة، والصحبة الصالحة، وليعلم الثقات من النساء والأقارب أنكم ترغبون في الزوج الصالح، فالأخذ بأسباب الزواج لا يناقض الحياء، وليس المطلوب أن تختاري بين العفة وبين أن يعرف الناس أنك صالحة للزواج.

خامسا: توقفي عن مراقبة من تزوجت، ومن خطبت، ومن تقدم لها خمسة، ومن لم يتقدم لها أحد، فأنت ترين من حياة الناس لحظة واحدة، ثم تقارنينها بقصتك كلها، وما يدريك ما عندهم من بلاء، ولا ما سينتج عنه الزواج من هدوء أو مشاكل، فكم من امرأة تزوجت وطلقت بعد زواجها بأشهر فزهد فيها الخطاب، فلا هي زوجة ولا هي بكر، وهذا ابتلاء وذاك ابتلاء والله يفعل ما يشاء، وكل ما يفعله بحكمة، ثم إن الأصل أن يوقف المرء بصره عما عند الناس من خير، كما قال الله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾، المقارنة المستمرة لن تقرب زوجك يوما واحدا، لكنها تستطيع أن تسرق منك سنوات انتظارك كلها.

سادسا: لا تبحثي كثيرا عن الحكمة السرية وراء تأخر زواجك؛ فقد تعرفينها يوما وقد لا تعرفينها، يكفيك أن تعلمي أن الله لم ينسك، وأن تأخر الرزق ليس إهانة، كما أن تعجيله ليس بالضرورة علامة تفضيل، قال سبحانه: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾، ورب خاطب حزنت لأن الله صرفه، ولو كشف لك ما كان وراءه لسجدت شكرا على صرفه.

ثامنا: ليس عيبا أن تتمنى الفتاة الزواج، لكن هناك فرق بين أن تقولي: أتمنى زوجا صالحا، وقد تأخر عني هذا الرزق، وبين أن تقولي: أنا غير مرغوبة، الأولى تصف ظرفا في حياتك، والثانية تهدم صورتك عن نفسك، وهي ليست حقيقة، لذا استمري في حيائك وصلاتك وعفتك، وخذي بالأسباب المشروعة، واطلبي من أهلك أن يعينوك على البحث عن صاحب الدين والخلق بدلا من جرحك بالمقارنات، وإذا طرق الباب الرجل المناسب يوما، فلا تجعلي طول الانتظار يدفعك إلى قبول غير المناسب خوفا من ألا يأتي غيره.

وأخيرا: زواجك لم يتأخر، وأنت لا زلت في ريعان شبابك، وفي عمر مبكر للزواج -بحسب بيئتك ومجتمعك- والكثير من الفتيات يتزوجن بعد عمرك بسنوات ولا يرين، ولا يرى المجتمع أنهن تأخرن، فلا تعيشي في وهم تأخر الزواج وأنت بعد في الثامنة عشرة من عمرك! وتأكدي أن صاحب النصيب سيأتي في الوقت الذي يقدره الله عز وجل، وأشغلي نفسك بشيء مفيد، كدراسة أكاديمية، أو اشتغال بحفظ القرآن، أو طلب العلم الشرعي، فهذا أنفع وأفيد ويخفف عنك الكثير مما تشعرين به.

نسأل الله أن يجبر قلبك جبرا يليق بكرمه، وأن يحفظ عليك عفتك وحياءك، ويرزقك زوجا صالحا يحبك ويكرمك وتجدين معه السكن والمودة، وأن يرزق أهلك رفقا بقلبك وحسن كلمة لك، ويملأ نفسك رضا وثقة وسكينة حتى يأتيك رزقك في أجمل أوقاته، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات