تبت وحذفت كل ما يتعلق بالمعصية، فلماذا لا أشعر بالسكينة؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب في الثلاثين من عمري، وقعت في معصية عبر الإنترنت أندم عليها أشد الندم، وقد تبت إلى الله تعالى، وحذفت كل ما يتعلق بها، وعزمت عزما صادقا على ألا أعود إليها أبدا.

لكنني منذ ذلك الوقت أصبحت أعاني من قلق وتوتر شديدين، حتى أثر ذلك في نومي وتركيزي في عملي، ولا أكاد أتوقف عن التفكير فيما قد يحدث في المستقبل، وأخشى أن تكون لما فعلت عواقب، وأكثر ما يؤلمني هو خوفي من أن أجلب العار لوالدي وأسرتي؛ فأنا أحبهم، ولا أريد أن أكون سببا في حزنهم بسبب خطئي.

وأخاف من سخط الله عز وجل، وقد أكثرت من التوبة والاستغفار والدعاء، لكن قلبي لا يجد السكينة، وأشعر بأن الوساوس لا تفارقني، حتى أصبحت أعيد التفكير في الأمر مرارا، وأعيش في خوف دائم من المستقبل.

أرجو منكم نصحي: كيف أطمئن بعد التوبة؟ وكيف أحسن الظن بالله مع الخوف من الذنب؟ وهل ما أعاني منه يعد من الوساوس التي تحتاج إلى علاج؟

كما أرجو منكم الدعاء بأن يسترني الله في الدنيا والآخرة، ويغفر لي، ويقبل توبتي، ويثبتني على الاستقامة؛ فقد عزمت -بإذن الله عز وجل- على ألا أعود إلى هذا الذنب أبدا.

دعواتكم لي بأن يستر الله عوراتي، ويمنحني فرصة أخرى للتوبة والاستقامة على الطريق.

جزاكم الله خيرا، وبارك فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يسترك بستره الجميل، ويغفر ذنبك، ويقبل توبتك، ويثبت قلبك على طاعته، ويبدل خوفك أمنا، وقلقك سكينة، وبعد:

ففي رسالتك أمر ينبغي أن تبدأ منه لا من مخاوفك: فأنت وقعت في ذنب، ثم ندمت عليه، وقطعت أسبابه، وحذفت ما يوصلك إليه، وعزمت ألا تعود، وهذه هي معاني التوبة الصادقة، فلا تجعل الشيطان ينقلك -بعد أن أخرجك الله من المعصية- إلى باب آخر، وهو اليأس والخوف الذي لا ينتهي؛ فالندم الذي يقود إلى التوبة خير، أما الندم الذي يتحول إلى تعذيب للنفس، وقنوط من رحمة الله فليس هو الذي يريده الله من التائب، وحتى تستقيم نظرتك إلى ما مضى وما تخشاه في المستقبل، فضع أمامك هذه المعاني:

• أولا: اجعل يقينك برحمة الله أسبق إلى قلبك من خوفك من ذنبك؛ فقد قال سبحانه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ۚ إنه هو الغفور الرحيم}، وقال في شأن التائبين: {فأولٰئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}.

فإذا صدقت في توبتك، فلا تجعل شعورك بالخوف حاكما على وعد الله بالمغفرة؛ فإن التوبة لا تكتمل بأن تغادر الذنب بجوارحك فحسب، بل بأن تغادر بعده اليأس بقلبك، وتمضي إلى ربك راجيا رحمته، محسنا الظن به، مشتغلا بما بقي من عمرك لا بما مضى منه.

• ثانيا: الخوف المحمود من الذنب هو الذي يمنعك من الرجوع إليه، أما الخوف الذي يجعلك تعيد المخاوف نفسها عشرات المرات: ماذا سيحدث؟ هل سينكشف أمري؟ ماذا سيصيب أسرتي؟ فهو خوف تجاوز وظيفته النافعة، وأصبح بابا من الوسواس، وعلاجه التربوي ألا تدخل معه في نقاش كلما عاد، بل قل لنفسك: تبت إلى الله، وأخذت بما أستطيع من الأسباب، والمستقبل بيد الله، ثم اقطع الاسترسال وارجع إلى عملك وحياتك.

• ثالثا: لا تجعل احتمال انكشاف الأمر عقوبة تنتظرها كل صباح، فلا أحد يعلم المستقبل، وربنا سبحانه ستير يحب الستر، وقد سترك إلى الآن، فلا تكشف ما ستره الله عليك، ولا تحدث والديك ولا غيرهما بتفاصيل معصيتك طلبا للراحة النفسية؛ فقد قال النبي ﷺ: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، فاستر نفسك، وأصلح ما بينك وبين الله.

• رابعا: لا تربط التوبة بضمان ألا تقع عليك أي نتيجة دنيوية؛ فالتوبة وظيفتها أن تعود إلى الله، وأما المستقبل فنسلمه إليه سبحانه، فإن كان هناك أمر واقعي يمكن إصلاحه أو إغلاق بابه فافعله مرة واحدة، وإن لم يكن هناك شيء تستطيع فعله الآن، فلا تجعل التفكير المتكرر بديلا عن الفعل، كثرة التفكير لا تغير المستقبل، وإنما تستهلك حاضرك.

• خامسا: احذر أن يتحول الاستغفار نفسه إلى وسيلة لفحص التوبة؛ فتستغفر ثم تسأل: هل اطمأن قلبي؟ ثم تعيد الاستغفار حتى تشعر بالطمأنينة، استغفر تعبدا لله، وصل، واقرأ القرآن، وأكثر من الحسنات، ولكن لا تجعل قبول التوبة متوقفا على شعور معين في قلبك، قد تكون توبتك صادقة مع بقاء الخوف فترة من الزمن.

• سادسا: من القرائن على دخول الوسواس في حالتك، أن الفكرة نفسها تعود رغم أنك حسمت موقفك منها: فأنت نادم، كاره للذنب، عازم على عدم العودة، ومع ذلك يقتحم عليك الخوف ما استقر في قلبك، ويطالبك في كل مرة بيقين جديد وضمان جديد للمستقبل؛ فلا تمنحه هذا الضمان كل مرة؛ لأن إجابته اليوم تجعله يعود غدا بسؤال آخر، فإذا جاءك فاستعذ بالله، ولا تسترسل؛ وقد قال النبي ﷺ في الوسوسة: فليستعذ بالله، ولينته.

• سابعا: افتح بعد التوبة صفحة بناء، لا صفحة مراقبة، حافظ على الصلاة، واجعل لك وردا من القرآن، وصحبة صالحة، وأشغل يومك بعملك وبر والديك ونفع الناس، وأغلق تماما الأبواب التي أوصلتك إلى المعصية، وأفضل دليل عملي على صدق ندمك ليس أن تبقى خائفا بقية عمرك، بل أن تصبح بعد الذنب أقرب إلى الله مما كنت قبله.

ولا تقل: أريد من الله فرصة أخرى للتوبة وكأن بابها ما زال مغلقا أمامك؛ فقد منحك الله هذه الفرصة بالفعل حين أيقظ قلبك للندم، ووفقك لقطع المعصية والرجوع إليه، فأحسن استقبال هذه النعمة، ولا تقنط، ولا تعد إلى الذنب، ولا تعد كذلك إلى نبش تفاصيله في ذهنك.

لا تكتف بمعالجة الخوف بالأفكار، بل غير صورة حياتك بعد التوبة؛ لأن الفراغ والعزلة وكثرة الانفراد بالهاتف تترك للذنب القديم مساحة واسعة في الذهن، واملأ يومك بما ينفعك، الزم الصلوات في المسجد ما استطعت، واجعل لك وردا ثابتا من القرآن، واقترب من الصحبة الصالحة التي تعينك على الطاعة وتخرجك من العزلة، ومارس الرياضة، وأكثر من الجلوس مع والديك وأهلك، وأشغل نفسك بعملك وتطوير مهاراتك، وشارك في عمل نافع أو تطوعي.

ابتعد تماما عن الحسابات والمواقع والأوقات والأماكن التي تعيدك إلى أجواء المعصية، ولا تبق وحدك طويلا مسترسلا مع هاتفك وذكرياتك، خاصة في الأوقات التي كنت تضعف فيها سابقا، وإذا هاجمتك الفكرة فلا تجلس لتحليلها واستكمال احتمالاتها، بل انتقل مباشرة إلى عمل آخر يشغلك عنها، وابن لنفسك برنامجا يوميا واضحا؛ فالنفس إن لم تشغلها بما ينفع شغلتك بما يؤذيك، ومن أجمل ما يعين التائب أن يصنع بعد الذنب حياة جديدة لا يجد فيها الذنب القديم مكانه.

نسأل الله العظيم الستير الغفور أن يسترك في الدنيا والآخرة، وأن يستر عوراتك ويؤمن روعاتك، ويمحو ذنبك ويقبل توبتك، ويطهر قلبك من أثر المعصية ومن الخوف والوسواس، ويحفظ والديك وأسرتك من كل حزن وسوء، ويثبتك على الاستقامة حتى تلقاه وهو راض عنك، والله الموفق.

-----------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور الشيخ/ أحمد المحمدي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
------------------------------------------

نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال، وعلى ثقتك في موقعنا، بارك الله فيك.

أخي الفاضل، واضح من سؤالك أنك عازم على التوبة النصوح، وخاصة الشعور بالندم على ما فعلت، والعزم على عدم العودة لهذا الفعل، وهذه من شروط التوبة النصوح، والله تعالى غفور رحيم.

فاطمئن -أخي الفاضل- طالما أنك عازم على الاستمرار في العزم على عدم العودة لهذه المعصية، وجيد أنك اتخذت كل الإجراءات لتمنع عودتك إلى هذا الفعل؛ فاطمئن -أخي الفاضل- من هذا الجانب.

الامر الآخر: لعل هذا التوتر، والقلق، ضعف التركيز الذي ورد في سؤالك يدفعك، ويزيد من عزمك على عدم العودة إلى هذا؛ فإذا كيف نحول هذا التوتر والقلق إلى قوة دافعة تمنعنا من ارتكاب الخطأ؟

فبإذن الله عز وجل ادع الله تعالى، وحافظ على صلواتك، وأعمال الخير؛ فهذه أبواب واسعة للمغفرة والرحمة إن شاء الله تعالى.

لا أعتقد -أخي الفاضل- أنك تحتاج إلى الذهاب إلى العيادة النفسية في هذه المرحلة، وخاصة إذا استطعت أن تطمئن نفسك، وتسير على طريقك المستقيم، قل: آمنت بالله، ثم استقم كما ورد في الحديث.

أما إذا استمرت هذه المعاناة؛ فلا بأس أن تراجع إحدى العيادات النفسية للتأكد من التشخيص: هل هو وسواس؟ هل هو مجرد قلق عام؟ أم هو أمور أخرى نفسية؟ وإذا توضح التشخيص يمكن أن يسهل العلاج.

ولكن كما ذكرت لك لا أعتقد أنك تحتاج إلى زيارة العيادة النفسية في هذه المرحلة، وإنما اعكف على عبادتك، وعملك في المجال الهندسي، داعيا الله تعالى لك براحة البال، وقبول التوبة، وتمام الصحة والعافية.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات