السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالب جامعي، أدرس تخصص الإعلام الآلي في السنة الثانية، مشكلتي أنني أعيش منذ سنوات مع الوساوس والأفكار السلبية، ففي كل مرة تأتيني فكرة سلبية أو وسواس، أبقى في المنزل نحو ثلاثة أيام، وأفكر فيها بشكل مستمر، ولا أستطيع إخراجها من رأسي.
في البداية، كانت تأتيني وساوس تتعلق بالأمراض؛ مثل أمراض القلب والسرطان، وكنت دائما أخاف من الإصابة بمرض خطير، ولكن في الفترة الأخيرة ظهرت لدي مشكلة أثرت في نفسيتي بشكل كبير، وهي نوبات الهلع.
بدأت نوبات الهلع تأتيني خصوصا عندما أكون في البحر، وبالأخص في أعماق البحر، وقبل حدوث النوبة أفكر في الغرق أو الموت، ثم تأتيني النوبة مباشرة، وخلالها أشعر بزيادة كبيرة في نبضات القلب، وأتنفس بسرعة، وأشعر بتنميل في أطرافي، وكثرة الحركة، وكل ذلك يكون مصحوبا بإحساس شديد بالخوف، وكأنني سأموت في تلك اللحظة.
أنا أعلم أن نوبات الهلع لا تؤدي إلى الموت، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير فيها أو الخوف من حدوثها، وأصبحت تأتيني أحيانا عندما أخرج من المنزل وأفكر في احتمال حدوثها.
وفي الفترة الأخيرة، أصبحت أخرج من المنزل رغم خوفي، وأحيانا لا تأتيني النوبة، وإذا أتت فتكون مرة واحدة فقط، لكن الخوف منها ما زال شديدا.
وأكبر خوف لدي حاليا هو العودة إلى الجامعة، فأخاف أن تأتيني نوبة هلع أمام الناس أو داخل القسم، وأن يلاحظها زملائي، ولذلك أصبحت أخاف من الذهاب إلى الجامعة، كما أخاف من ركوب وسائل النقل.
وأشعر أن هذه المخاوف أثرت كثيرا في حياتي، ولم أعد أشعر بطعم الحياة كما كنت من قبل، كما أنني أفكر في الموت بشكل متكرر، وهذه الأفكار والوساوس أتعبتني نفسيا بشكل كبير.
بماذا تنصحونني أن أفعل؟ وهل يمكنني التخلص من هذه الوساوس ونوبات الهلع، والعودة إلى حياتي الطبيعية والدراسة دون هذا الخوف المستمر؟
وشكرا لكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ياسين، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الأخ الفاضل، شكرا على رسالتك، وعرض مشكلتك على إسلام ويب.
من الواضح من رسالتك أنك أصبحت تعاني كثيرا من هذه الأعراض المرتبطة بزيادة القلق والخوف والتوتر، والتي وصلت إلى حد حدوث نوبات هلع -كما ذكرت- وأصبحت نوبات الهلع متكررة، وتدور في دائرة الخوف من حدوثها، مما يزيد من تكرارها، ويزيد من نسبة الوساوس والخوف، وكذلك آثار هذه النوبات على حياتك، من ناحية الخروج وممارسة حياتك الطبيعية والدراسة.
وكل ذلك في مجمله يؤكد وجود اضطراب نفسي من ضمن اضطرابات القلق، واضطرابات القلق تأتي في أشكال مختلفة، ولكنها -سواء كانت وساوس، أو خوفا، أو رهابا اجتماعيا، أو رهابا من المرض، أو أي نوع من المخاوف الأخرى- كلها تندرج تحت الاضطرابات النفسية، وهي اضطرابات القلق.
وتحتاج هذه الاضطرابات إلى علاج؛ لأنها قد تصل إلى مرحلة يكون أثرها عليك تغييرا في حياتك اليومية، وخاصة أنها قد تؤثر فيك، وتمنعك من ممارسة حياتك الطبيعية، سواء في الدراسة، أو الخروج، أو العلاقات الاجتماعية.
فما ننصحك به: أولا هو أن تعرض حالتك على طبيب نفسي؛ لإجراء تقييم متكامل، لأنك قد تحتاج إلى إجراء بعض الفحوصات، حتى تطمئن من الناحية الجسمانية، ثم ثانيا، تحدد الخطة العلاجية المناسبة، التي تناسب عمرك، وتناسب وضعك من الناحية الدراسية والاجتماعية، وبعد ذلك تحدد الأدوية المناسبة، وهناك أنواع كثيرة جدا من أدوية القلق التي يمكن أن تساعدك على الشفاء تماما من كل هذه الأعراض التي ذكرتها، -بإذن الله- بما فيها أعراض نوبات الهلع، وهذه الأدوية إيجابية، وليست لها أضرار من ناحية الاعتماد عليها أو الإدمان، كما يخاف الناس من ذلك، ولكنها مثل كل الأدوية، قد تكون لبعضها أعراض جانبية تختلف من شخص إلى آخر، ولذلك يتم اختيار الدواء المناسب بالمشاركة مع الطبيب، بعد عرض إيجابيات الدواء وسلبياته.
كذلك، هناك تدخلات أخرى غير دوائية قد تكون مفيدة جدا في مثل حالتك، وهي التدخلات النفسية، مثل العلاج النفسي المعرفي السلوكي (CBT)، وهو من أنواع التدخلات التي تساعد كثيرا على التخلص من نوبات القلق، وخاصة نوبات الهلع، ففي هذه النوبات تحدث زيادة في التفكير السلبي، مما يؤدي بدوره إلى ظهور بعض الأعراض الجسمانية، ثم تزيد هذه الأعراض نفسها من التفكير السلبي، وبالتالي تزيد الأفكار والوساوس من ظهور أعراض الاضطراب، وتنعكس هذه الأعراض في شكل سلوكيات، منها العزلة، وعدم القدرة على الحركة، وعدم القدرة على ممارسة الحياة اليومية.
وهذان النوعان من التدخلات -الدوائي والسلوكي- مهمان جدا في مثل حالتك، ولكن هناك أيضا جوانب مهمة أخرى، وهي الجوانب الروحانية والاجتماعية، التي تساعد كثيرا على التخلص من اضطرابات القلق والخوف عموما.
فلا بد من إعادة ترتيب حياتك من ناحية علاقاتك الاجتماعية، وأصدقائك، والتخلص من الأمور التي يمكن أن تكون مثيرة للقلق والخوف من الناحية الاجتماعية، وقبلها استصحاب الجوانب الدينية، والمحافظة على عباداتك وأذكارك، حتى تعود حياتك إلى طبيعتها من غير قلق أو خوف، وأسأل الله أن يكون في ذلك الشفاء لك، وإعادة حياتك إلى طبيعتها.