السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبي قضى وقتا طويلا من عمره في مهنة حارس ليلي، ومؤخرا تصلني شكاوى كثيرة حول ما يقوم به في الليل بالخصوص، حيث يزعج السكان حول منطقة عمله بالضرب على الحديد، والشتم بصوت مرتفع بعبارات نابية تجاه أشخاص غير موجودين، ويبقى بملابس متسخة، ولا يأتي للمنزل أبدا، وقيل لي إنه يجب علي التدخل، فقمت باكتراء شقة صغيرة خاصة به، لكنه قضى بها ليلة واحدة فقط وعاد لنفس المكان، ويقوم بنفس الفعل، مع العلم أنه فصل عن العمل، فلا أعلم كيف أتصرف؛ لأنه عصبي، وكل مرة أبدأ الحديث معه يتركني ويذهب.
لا أعلم هل هو مس أم مرض عقلي؟ لأنه عندما عرضت عليه أن أرقيه، قال لي بأنه ليس مجنونا، وذهب.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أسامة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية نثمن تواصلك مع موقع إسلام ويب وطلب الاستشارة، ونشكرك على اهتمامك بوالدك، وحرصك على البحث عن حل لمشكلته، ومحاولتك توفير مكان مناسب له، فهذا من البر والإحسان الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم تجاه والديه، قال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا) العنكبوت: 8، وحرصك على مساعدته في هذه المرحلة أمر طيب، لكن يبدو من وصفك أن المسألة تحتاج إلى تعامل هادئ ومنظم، وألا تحمل نفسك وحدك مسؤولية علاج والدك.
إن الأفعال التي ذكرتها من مخاطبة أشخاص غير موجودين، والشتم بصوت مرتفع، والضرب على الحديد، وإهمال النظافة، وترك المنزل، وعدم الاستقرار فيه، ورفض الحديث معكم، كلها أمور تستحق أن يأخذها أهل البيت بجدية، ولا يمكن من خلال هذه الرسالة تحديد سبب ما يحدث له؛ فقد تكون وراء ذلك أسباب نفسية أو عصبية، أو اضطرابات مرتبطة بالنوم، أو أسباب طبية أخرى، ولذلك لا يصح الجزم بأنها مس أو سحر، كما لا يصح الجزم بأنه مصاب بمرض نفسي معين دون فحص وتقييم.
ولهذا فإن أهم خطوة الآن هي عرض الوالد على طبيب نفسي، ويفضل أن يصاحبه تقييم طبي عام؛ ليتمكن الطبيب من معرفة الأسباب المحتملة ووضع خطة العلاج المناسبة، ولا ينبغي أن ينظر والدك إلى زيارة الطبيب النفسي على أنها اتهام له بالجنون، فالعلاج النفسي كعلاج سائر الأمراض، والمرض لا ينقص من قدر الإنسان ولا من كرامته.
ومن المهم كذلك ألا تدخل معه في مواجهة حول فكرة أنه به مس من الجن، أو لديه اضطراب نفسي، خصوصا أنه رفض الرقية عندما عرضتها عليه وشعر أنها تعني اتهامه بالمرض، فتجنب أي عبارات توحي بذلك، وحاول أن تدخل إليه من باب الاهتمام بصحته، واجعل الحديث قصيرا وهادئا، وإذا رفض في لحظتها فلا تحول الأمر إلى معركة، بل عاود المحاولة في وقت آخر.
ولا ينبغي أن تكون وحدك في مواجهة هذه المشكلة؛ فحاول الاستعانة بأحد أفراد الأسرة ممن يحبه والدك ويثق به، كأحد إخوته أو أقاربه أو شخص له مكانة عنده، وليكن تدخله هادئا وغير مباشر، ومن الأفضل أن تتفق الأسرة على أسلوب واحد في التعامل معه، حتى لا يشعر بأنه محاصر أو أن الجميع يتعامل معه باعتباره مجنونا، وقد يكون من الأسهل أحيانا أن يذهب معه شخص يحبه إلى الطبيب بحجة الاطمئنان على صحته، ثم يترك للطبيب مهمة تقييم حالته وتحديد ما يحتاج إليه.
أما استئجار الشقة له، فهو تصرف طيب منك، لكن عودته إلى المكان الذي اعتاد البقاء فيه توضح أن المشكلة ليست مجرد عدم وجود مسكن؛ فقد أصبح ذلك المكان جزءا من نمط حياته، وربما اعتاد عليه سنوات طويلة، ولذلك فإن نقله منه وحده قد لا يحل المشكلة، والأولوية الآن هي فهم سبب سلوكه وتقييم حالته، ثم بناء خطة تدريجية تشمل السكن، والنوم، والنظافة، والطعام، والعلاج، والمتابعة الأسرية.
وإذا كان والدك يتحدث عن أشخاص غير موجودين، أو يعتقد أن هناك من يخاطبه، فلا تدخل معه في جدال طويل لإثبات أن ما يراه أو يسمعه غير موجود، ثم حاول صرف انتباهه إلى أمر آخر.
وعليك أيضا -أخي الكريم- أن تحاول قدر الإمكان الاهتمام باحتياجاته الأساسية، كالغذاء والشراب والنوم في مكان آمن وهادئ، والنظافة الشخصية، مع معرفة الأدوية التي يتناولها إن وجدت، وما إذا كان يستخدم أي مواد أو أدوية دون إشراف طبي، ومن المفيد أن تسجلوا الأعراض والتغيرات التي تطرأ عليه ومتى بدأت؛ لأن هذه المعلومات قد تساعد الطبيب في تقييم الحالة.
وبما أنه يقوم بضرب الحديد والصراخ والشتم، فمن المهم الانتباه إلى جانب السلامة، فإذا أصبح شديد الهياج، أو هدد نفسه أو غيره، أو حمل أداة يمكن أن تؤذي أحدا، أو أصبح غير قادر على رعاية نفسه، فلا تحاولوا السيطرة عليه بالقوة بمفردكم، بل اطلبوا المساعدة الطبية العاجلة، أو توجهوا إلى أقرب قسم طوارئ بحسب نظام بلدكم؛ فسلامته وسلامة من حوله مقدمة على محاولة إقناعه، أو الدخول معه في نقاش.
وأما الرقية الشرعية والدعاء فلا حرج فيهما، بل هما من الأسباب المشروعة، ويمكنك أن ترقي والدك برفق، لكن لا تجعل الرقية بديلا عن مراجعة الطبيب، فالمسلم يجمع بين الأخذ بالأسباب الشرعية والأسباب الطبية، ولا يلزم من وجود سلوك غير معتاد أن يكون سببه مسا أو سحرا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء) رواه أبو داود والترمذي.
واعلم -أخي الكريم- أنك ابن ولست طبيبا معالجا لوالدك، وقد فعلت خيرا حين انتبهت إلى حالته وحاولت مساعدته؛ فلا تحمل نفسك ما لا تستطيع، ولا تدخل في صراع يومي معه حتى تستنزف نفسك، قم بما تستطيع من البر والرعاية، واستعن بأفراد الأسرة، واسعوا إلى إيصال والدك إلى المختص، مع المحافظة على كرامته، وعدم نشر تفاصيل حالته إلا بقدر الحاجة إلى طلب المساعدة.
والأهم الآن ألا تجعل هدفك إقناع والدك بأنه مريض نفسي، وإنما أن يصل إلى تقييم طبي مناسب، وأن يبقى آمنا، وأن يشعر بأن أسرته تقف إلى جانبه وليست ضده.
أسأل الله أن يشفي والدك شفاء تاما، وأن يعينك وإخوانك على بره وحسن رعايته، وأن يجعل ما تقومون به في ميزان حسناتكم.