السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا امرأة متزوجة، ولدي طفل رضيع، أعيش في الغربة منذ زمن طويل بعيدة عن أهلي، وقد كانت هناك مشاكل كثيرة بين والدي حتى انتهى الأمر بطلاقهما.
وللأسف، بدلا من أن يساندنا أهل والدتي نحن الأبناء، كانوا يتحدثون بسوء عن أبي أمامنا، فضلا عما يتصفون به من كثرة الغيبة والنميمة، وإثارة المشاكل، وقد كنت حاملا في فترة طلاق والدي، ولم أخبر عائلة والدتي بحملي؛ لعلمي أنهم يكثرون القيل والقال، وينشرون الأخبار بسرعة، ولأنني كنت موقنة بأنهم لن يقدموا لي أي نفع إن أخبرتهم، ولا سيما أنني أعيش بعيدة عنهم.
وعندما وضعت مولودي، وعلموا بالخبر، قرروا مقاطعتي؛ فلم يتصل بي أي أحد منهم ليبارك لي بمولودي الجديد، بل أخبروا أمي صراحة بأنهم لا يريدون تهنئتي.
بناء على ذلك، قمت بحذف أرقامهم جميعا، وتوقفت عن التواصل معهم، حتى في العيد لم أتصل بهم كما كنت معتادة سابقا، واقتصرت في علاقتي على جدتي -أم والدتي-، وإحدى خالاتي، والتي كانت الوحيدة من بين أهل أمي التي باركت لي على ولادة إبني، وفرحت لأجلي.
فما حكم مقاطعتي لأهل والدتي، مع العلم أنهم هم من بدؤوا بمقاطعتي، ورفضوا الحديث معي، أو تهنئتي بمولودي؟
بارك الله فيكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، وبداية نسأل الله تعالى أن يبارك لك في ولدك، وأن يقر عينك به، وأن يجعله من الذرية الصالحة.
وقد أحسنت –ابنتنا العزيزة– حين سألت عما يعنيك ويهمك من شأن التواصل بأرحامك، وإن كان هذا السؤال متأخرا بعض الشيء، فكان ينبغي قبل أن تفعلي ما فعلت من التقاطع والتدابر معهم، أن تسألي عن حكم الإقدام على ذلك، ولكن لا يزال في الوقت فسحة لمعرفة ما يجب عليك أن تفعليه، وما ينبغي أن تصنعيه مع قرابتك.
ولا يخفى عليك –ابنتنا الكريمة– أن قرابتك من جهة أمك كالأخوال، والخالات، والجد، والجدات، كل أولئك من الأرحام الذين يجب عليك أن تصليهم، ويحرم قطعهم، فقد أمر الله تعالى بصلة الأرحام، ونهى عن قطعها، وهدد قاطع الرحم؛ فقال سبحانه: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولٰئك الذين لعنهم الله}.
وأمر النبي ﷺ أمرا صريحا بصلة الرحم؛ فقال: وصلوا الأرحام، وقد بين الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة أن صلة الرحم ليست من باب المكافأة والمعاملة بالمثل؛ فقال: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.
فلا يجوز للإنسان أن يقطع أرحامه لكونهم قطعوه هم، بل يجب عليه أن يصلهم، ويؤدي الحق الواجب عليه لهم، وسيؤتيه الله تعالى أجره وثوابه، والإثم يعود عليهم هم، فقد جاء بعض الناس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إلي؟ فقال له ﷺ: لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، يعني أن الله تعالى يعينك، ويسر لك هذه الطاعة، ويكتب لك الأجر، وهم الذين يأثمون، فكأنما يأكلون الرماد الحار؛ أي هم الذين يحترقون بإثم هذه المعصية.
وبهذا يتبين لك أنه لا يجوز لك أن تقطعي أرحامك لكونهم يقطعونكم، أو لكونهم يغتابونكم، أو نحو ذلك من الأعذار.
لكن المقدار الواجب من صلة الرحم لم يحدده الشرع تحديدا بينا واضحا، بل أمر بصلة الرحم ولم يبين الكيفية والمقدار، والعلماء يقولون: ما أمر به الشرع ولم يبين قدره يرجع في معرفة قدره إلى العرف والعادة.
فكل ما يعده الناس صلة رحم فبه يتحقق الواجب، وتخرجين من دائرة الإثم في ارتكاب المحرم، وفي الوقت نفسه أيضا؛ لا يجب عليك أن تباشري الصلة التي تتضررين بها، فمثلا لو كانت الزيارة ستسبب لك أضرارا عليك؛ ففي هذه الحالة يجوز أن تتركي الزيارة، وتلجئي إلى ما هو أخف منها ضررا عليك، وهكذا.
والخلاصة –أيتها البنت الكريمة– أنك الآن مطالبة بالتوبة، والتوبة تعني الندم على فعل المعصية، والعزم على عدم الرجوع إليها في المستقبل مع الإقلاع عنها، فإذا تبت محا الله تعالى ذنبك بهذه التوبة؛ فقد قال الرسول ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فتوبي إلى ربك أنت، وابدئي أنت بالوصل والتواصل مع أرحامك بالطريقة التي لا تتضررين بها، ودعي الإثم عليهم؛ إذا أصروا هم على أن يقابلوا صلتك بالقطيعة أو بالإساءة، فإنهم سيبوؤون هم بالإثم والذنب.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.