أمر بضياع وفتور في حياتي، فكيف أستعيد قوتي ودافعيتي؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مررت باحتراق وظيفي شديد جدا، بعد 8 سنوات من الجد وبذل أقصى ما أستطيع، ولكنني الآن أشعر بفتور شديد، وقد أثر ذلك في حياتي الشخصية من جميع النواحي؛ الدينية، والعائلية، والنفسية، والعاطفية، والعلاقات الاجتماعية.

تركت عملي، لعلني أجد نفسي مرة أخرى، ولكنني لم أستطع، وأشعر بحالة من الضياع الشديد، ومع طول هذه المدة أصبحت أشعر بأنني خاوية وقليلة الصبر، وكلما حاولت جاهدة الالتزام واستعادة حياتي، تأخذني مشاغل الحياة والابتلاءات بعيدا، وأبكي بحرقة، لعدم قدرتي على استرجاع قوتي وثباتي، وأخشى أن أستمر هكذا طوال عمري، بلا هدف ولا إنجاز في حياتي.

فكيف أستطيع الخروج من هذه الحالة، واستعادة قوتي ودافعيتي، والعودة إلى حياتي بصورة متوازنة؟ وكيف أتعامل مع هذا الشعور بالضياع والفتور الذي طال معي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ زينب، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويجدد في نفسك القوة والأمل، ويعينك على تجاوز هذه المرحلة، ويرزقك السكينة والثبات، ويكتب لك الخير والتوفيق في دينك ودنياك.

أختي الكريمة، الحديث عن 8 سنوات من الجد والعطاء، ثم الوصول إلى هذا الفراغ والفتور، ليس أمرا هينا، وبكاؤك بحرقة ليس ضعفا كما قد يخيل إليك، بل هو صوت نفس أنهكها التعب، وما تصفينه من إحساس بالضياع والخواء وقلة الصبر، ومن محاولات للالتزام تجرفها الحياة والابتلاءات بعيدا، هو أثر طبيعي جدا لمن أفرغت طاقتها في جهة واحدة طويلا حتى نضب معينها، وليس دليلا على نقص فيك أو في إيمانك.

وقد جاء هذا المعنى في سنة النبي ﷺ حين قال: لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك، فحتى الصحابة الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله كانت تعتريهم فترات فتور بعد الاندفاع، والمقياس ليس ألا تفتري أبدا، بل أن تعودي بعد الفتور إلى هدي النبوة، لا إلى الانقطاع الكامل.

ما تمرين به ابتلاء، والله سبحانه يقول: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ۗ وبشر الصابرين}، فذكر سبحانه نقص الأنفس، وما شعورك بالخواء والإرهاق النفسي إلا صورة من صور هذا النقص الذي وعد الله أهله بالبشرى إن صبروا.

ولعلي ألخص لك ما يعينك على تجاوز هذه المرحلة في النقاط التالية:

لقد ذكرت أن هذا الفتور أثر عليك دينيا وأسريا ونفسيا وعاطفيا واجتماعيا، وأحب أن أطمئنك إلى أن هذا التشابك طبيعي؛ فالإنسان كل متكامل، وحين ينهك جانب منه تتأثر بقية الجوانب تبعا له، فلا تحملي نفسك فوق ما تحتمل بلومها على هذا التشتت.

ومن الناحية الدينية؛ فإن الفتور الذي تشعرين به علاجه ليس في مضاعفة العبادة دفعة واحدة؛ فهذا قد يزيدك إرهاقا وشعورا بالفشل حين لا تستطيعين الاستمرار، بل العلاج في العودة التدريجية الرقيقة، فاجعلي لنفسك صلة يومية بسيطة بالقرآن، ولو بضع آيات؛ فالله تعالى يقول: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، وهذه الطمأنينة تحديدا هي ما تفتقدينه الآن.

▪ امنحي نفسك فرصة حقيقية للتعافي من الاحتراق الوظيفي:
من الناحية النفسية، ما بعد الاحتراق الوظيفي يحتاج إلى نقاهة حقيقية، لا مجرد ترك الوظيفة؛ فالجسد والعقل يحتاجان إلى وقت لإعادة البناء، تماما كما يحتاج الجرح إلى وقت ليلتئم، فلا تستعجلي عودة قوتك دفعة واحدة، ولا تجعلي تأخر التعافي سببا لمزيد من الضغط على نفسك، وابدئي بإعادة بناء يومك بهدوء، من خلال تنظيم النوم، والحركة، والاهتمام بالغذاء، والخروج من المنزل، وممارسة نشاط تحبينه، ووضع أهداف صغيرة قابلة للإنجاز؛ فاستعادة النشاط والدافعية غالبا ما تكون بالتدرج، لا بقفزة واحدة.

▪ لا تنعزلي عن أسرتك ومحيطك الاجتماعي:
من الناحية الأسرية والاجتماعية، فإن الانطواء الذي قد يصاحب الاحتراق يزيد الشعور بالفراغ ثقلا، فحاولي أن تقتربي من أهلك، ولو بجلسة بسيطة أو مكالمة، وأبقي لنفسك قدرا من التواصل مع الأشخاص الذين تشعرين معهم بالراحة والأمان؛ فقد قال النبي ﷺ: من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه، وفي دفء الأسرة سند تحتاجينه في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى.

▪ لا تنتظري عودة قوتك كاملة حتى تبدئي:
أما خشيتك من عدم القدرة على استرجاع ثباتك، وأن الحياة تأخذك كلما حاولت الالتزام، فلا تنتظري الكمال حتى تبدئي، ولا تطلبي من نفسك أن تعودي في أيام قليلة إلى المستوى الذي كنت عليه قبل سنوات من الإرهاق، وقد قال النبي ﷺ: إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا، وخير الأعمال عند الله أدومها ولو قل؛ كما قال ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

ابدئي بخطوة صغيرة واحدة تثبتين عليها، سواء كانت وردا يسيرا من القرآن، أو مشيا في الهواء الطلق، أو تنظيم وقت نومك، ثم ابني عليها شيئا فشيئا، دون أن تحاسبي نفسك بقسوة إن تعثرت يوما، وحين يضيق صدرك بالانتظار، تذكري أن ما تعيشينه اليوم من تعب قد يكون طريقا إلى الراحة التي تنشدينها، وقديما قيل:
بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها *** تنال إلا على جسر من التعب

فتعبك اليوم ليس بالضرورة نهاية الطريق، وقد قال سبحانه: {فإن مع العسر يسرا}، والصبر الذي تشتكين من قلته ليس صفة تولد بها الأنفس مكتملة، بل هو مجاهدة تتدربين عليها شيئا فشيئا، والله وعد أهله بأجر بلا حساب، فقال: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.

▪ استعيني بمختص إذا طال هذا الشعور وأثر في حياتك:
لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية؛ فما تصفينه من فراغ ممتد، وبكاء، وشعور دائم بفقدان المعنى، قد يكون أعمق من فتور عابر، ومن الحكمة والأمانة أن ننصحك بزيارة أخصائي نفسي مؤهل يساعدك على فهم ما تمرين به بدقة، خصوصا أن هذه الحالة استمرت معك فترة طويلة، وأثرت في جوانب حياتك جميعا.

وطلب هذه المساعدة ليس علامة ضعف، بل هو من الأخذ بالأسباب؛ فكما تقصدين الطبيب لجسدك، تقصدين المختص لنفسك، ولا تعارض بين هذا وبين توكلك على الله تعالى.

- اعلمي أن قيمتك عند الله ليست محصورة في وظيفة تركتها أو إنجاز تأخر، فأنت لم تخلقي لتحققي نجاحا دنيويا فقط، بل لتكوني أمة صالحة تسعين في الأرض بما يرضي ربك، وهذا المعنى وحده كفيل بأن يمنحك هدفا حتى في أحلك الأوقات.

فكل يوم تصحين فيه هو فرصة جديدة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فلا تيأسي من أن تستعيدي نفسك من جديد؛ فالبداية الصغيرة الصادقة خير من انتظار الكمال الذي لا يأتي.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات