التعلق السريع والزائد بالآخرين هل هو مرتبط بنقص عاطفي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتمنى أن تكونوا بخير، وأود أن أسأل عن موضوع يشغلني، وهو النقص أو الفراغ العاطفي، فأحيانا أشعر بحاجة كبيرة إلى الاهتمام والاحتواء، وأتعلق بالأشخاص بسرعة، وأتأثر كثيرا عندما أشعر بتغير معاملتهم أو ابتعادهم عني، كما أشعر بالغيرة، رغم أن عمري 17 عاما.

فكيف يمكنني معرفة ما إذا كان ما أشعر به يعد نقصا عاطفيا، أم مجرد احتياج طبيعي إلى المحبة والاهتمام؟ وما الأسباب التي قد تؤدي إلى هذا الشعور؟ وهل يمكن أن يؤثر في العلاقات، والتعلق، والخوف من فقدان الأشخاص؟

وإذا كان الأمر مرتبطا فعلا بنقص عاطفي، فما الطريقة الصحية للتعامل معه والتخفيف من التعلق الزائد؟

وشكرا لكم مقدما على وقتكم ومساعدتي في فهم هذا الموضوع.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ جنى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ابنتنا الكريمة، نشكرك على تواصلك مع موقع إسلام ويب وطلبك الاستشارة، وعلى صراحتك في عرض مشاعرك ورغبتك في فهمها والتعامل معها بطريقة صحيحة، وهذا يدل على وعي وحرص على إصلاح نفسك.

▪ أولا: الحاجة إلى المحبة والاهتمام أمر طبيعي:
أود أن أطمئنك إلى أن الحاجة إلى المحبة والاهتمام والاحتواء في سن السابعة عشرة أمر طبيعي في أصله؛ فأنت تمرين بمرحلة عمرية حساسة ومهمة، لها خصائصها النفسية والاجتماعية والعاطفية، وفيها يزداد احتياج الفتاة إلى الشعور بالأمان والتقدير والانتماء، وإلى من يسمعها ويفهمها ويشعرها بقيمتها.

ولذلك، فإن رغبتك في الاهتمام، وحزنك عندما تتغير معاملة شخص تحبينه، أو شعورك بالغيرة، لا يعني بالضرورة وجود نقص عاطفي.

▪ ثانيا: متى يتحول الاحتياج الطبيعي إلى تعلق زائد؟
يصبح الأمر بحاجة إلى الانتباه عندما يتحول الاحتياج الطبيعي إلى تعلق زائد؛ كأن تصبح سعادتك مرتبطة بشخص واحد، أو تشعرين أنك لا تستطيعين الاستقرار النفسي إلا باهتمامه، أو تخافين بصورة شديدة من فقده، أو تراقبين تصرفاته ورسائله باستمرار، أو تتنازلين عن حدودك وراحتك حتى لا يبتعد عنك.

▪ ثالثا: تعرفي إلى الأسباب التي قد تؤدي إلى الفراغ العاطفي:
قد ينشأ الشعور بالفراغ العاطفي من أسباب مختلفة؛ مثل ضعف التعبير عن المشاعر داخل الأسرة، أو كثرة الانتقاد والمقارنة، أو عدم وجود شخص تستطيعين الحديث معه بأمان، أو المرور بتجربة فقد أو خذلان، أو ضعف الثقة بالنفس والشعور بالوحدة.

كما قد تزيد وسائل التواصل الاجتماعي من هذا الشعور؛ بسبب المقارنة المستمرة بما يظهر من علاقات وصداقات مثالية عند الآخرين.

▪ رابعا: افهمي مشاعر الغيرة بدلا من لوم نفسك عليها:
أما الغيرة، فلا تلومي نفسك لمجرد شعورك بها، وإنما حاولي فهمها وتحليلها، واسألي نفسك: ماذا أخاف أن أفقد؟ هل أخاف ألا أكون مهمة؟ هل أحتاج إلى مزيد من الأمان والثقة بالنفس؟ ففهم السبب يساعدك على التعامل مع الشعور بدلا من الاستسلام له.

▪ خامسا: لا تجعلي شخصا واحدا مصدر سعادتك واحتوائك:
من أهم الوسائل العملية ألا تجعلي شخصا واحدا مصدر سعادتك واحتوائك، بل وسعي دائرة حياتك من خلال الأسرة، والصديقات الصالحات، والدراسة، والهوايات، والأنشطة المفيدة، وتطوير مهاراتك، والاهتمام بصحتك ومستقبلك.

وكلما كانت حياتك متوازنة ومليئة بالأهداف والعلاقات الصحية، قل احتمال تحول التعلق إلى اعتماد عاطفي.

▪ سادسا: قوي علاقاتك الأسرية والاجتماعية الصحية:
حاولي تقوية علاقتك بأسرتك، والتحدث مع والدتك أو أختك أو قريبة ناضجة تثقين بها -إن كان ذلك ممكنا-، ويمكنك أيضا الاستفادة من مرشدة تربوية أو مختصة نفسية موثوقة إذا شعرت أنك بحاجة إلى مساحة آمنة لفهم مشاعرك.

▪ سابعا: لا تندفعي وراء المشاعر القوية:
من الوسائل المفيدة كذلك تأجيل الاستجابة للمشاعر القوية؛ فإذا شعرت أن شخصا تغير أو ابتعد، فلا تندفعي إلى كثرة الرسائل، أو السؤال المتكرر، أو اختبار مشاعره، بل امنحي نفسك وقتا للهدوء، وأشغلي نفسك بشيء آخر، ثم انظري إلى الموقف بصورة أكثر اتزانا.

▪ ثامنا: ضعي حدودا واضحة في علاقاتك:
حاولي -ابنتنا الكريمة- أن تضعي لنفسك حدودا واضحة في علاقاتك، خاصة في هذه المرحلة، ولا تجعلي خوفك من فقد شخص يدفعك إلى علاقة غير مناسبة، أو تجاوزات لا ترضينها شرعا ولا تحفظ كرامتك؛ فالمحبة الصحية لا تعني أن يفقد الإنسان دينه، أو حياءه، أو احترامه لنفسه.

▪ تاسعا: اجعلي علاقتك بالله مصدرا أساسيا للطمأنينة:
تذكري -بارك الله فيك- أن القلب يحتاج إلى الله قبل حاجته إلى أي إنسان، قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، فاحرصي على الصلاة، والقرآن، والدعاء، والصحبة الصالحة، ولا تجعلي العلاقة العاطفية الوسيلة الأساسية للحصول على الطمأنينة والاحتواء.

واعلمي كذلك أن الاحتياج العاطفي لا يعني ضرورة الدخول في علاقة عاطفية؛ فالإنسان يستطيع أن يجد قدرا كبيرا من الحب والاحتواء من خلال الأسرة، والصداقة الصالحة، والإنجاز، والعطاء، والعلاقة بالله، أما الزواج فله وقته وظروفه المناسبة، وليس علاجا سريعا للفراغ العاطفي.

▪ عاشرا: استعيني بمختصة نفسية إذا أصبح التعلق مؤثرا في حياتك:
إذا أصبح التعلق شديدا بحيث يؤثر في نومك، أو دراستك، أو عبادتك، أو علاقاتك، أو صاحبته نوبات متكررة من الحزن والقلق والخوف من فقد الأشخاص، فاستعيني بمختصة نفسية موثوقة؛ فذلك من الأخذ بالأسباب، وقد تساعدك على فهم جذور التعلق، وبناء الثقة بالنفس، وتنظيم مشاعرك.

وتذكري -ابنتنا الكريمة- أن المطلوب منك ليس أن تتخلصي من حاجتك إلى الحب، وإنما أن تتعلمي كيف تحبين وتحبين بطريقة متوازنة، دون أن تجعلي تعلقك بشخص سببا لفقد نفسك أو كرامتك.

فأنت في مرحلة تتعلمين فيها فهم نفسك وعلاقاتك وحدودك، فلا تخافي من مشاعرك، بل افهميها ووجهيها، ومع الوقت ستصبحين أكثر قدرة على بناء علاقات صحية ومتزنة.

أسأل الله أن يرزقك السكينة والطمأنينة، ويملأ قلبك بحبه، ويرزقك الصحبة الصالحة، ويحفظك، ويعينك على بناء شخصية واثقة ومتزنة، ويكتب لك الخير في حاضرك ومستقبلك.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات