السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله خيرا.
أعتذر عن هذا السؤال المثير للاشمئزاز، لكنني أحتاج إلى المساعدة حقا.
نشأت في بيت يهتم كثيرا بالأكل، والمجتمع عندنا كان يرى أن الفتاة السمينة أفضل من النحيفة؛ لذا كنت آكل كثيرا فوق حد الشبع، حتى زاد وزني كثيرا في سن صغيرة جدا، كما أنني أعاني من وسواس قهري متعدد منذ الطفولة، ولم يشخص إلا مؤخرا جدا، وبناء عليه كنت آكل؛ لأنني كنت أظن أنه ربما تكون هذه وجبتي الأخيرة، أو أننا غدا لن نجد طعاما، أو ستزول عنا النعمة.
وحاولت إنقاص وزني كثيرا بعد المرحلة الثانوية، وحدثت استجابة إلى حد ما، وفقدت قرابة (20 كجم).
لكن الإشكال عندي في مشكلة الإفراط في الأكل نفسها، خاصة أننا نواجه وضعا أسريا صعبا بين الوالدين، ولا نخرج من البيت إلا نادرا، ومع التعود على ذلك، وبين الاكتئاب أو الضحك لتجاهل الوضع، ينتهي المطاف في الحالتين إلى الأكل كثيرا في أي وقت!
والمشكلة أنني فهمت أن هذا الحال يسبب مشكلات دينية من حيث الخمول، وغلبة هوى النفس، وضعف العبادة -وهو الحاصل فعلا-، وكلما حاولت تجاوز هذا الوضع أفشل وأعود.
والخلل عندي هو الوسواس القهري؛ فكلما حدثت انتكاسة يزعجني بأنني لن أنجح، وأن الله لن يحبني أبدا؛ لأنني مسرفة، ولا أملك زمام نفسي، ولن ألتزم بالعبادات مهما فعلت، وإن حدث ذلك فسيكون مؤقتا، كما يراودني التساؤل: لماذا أجسام كثير من الناس طبيعية، ويتوقفون عن الأكل عند الشبع، وأنا لا أستطيع فعل ذلك؟ وأن الجنة والنار ستتوقفان على هذا الموضوع!
أنا ملتزمة بالصلاة -والحمد لله-، لكنني أريد زيادة النوافل -مثلا-، أو طلب العلم، أو تقليل الشهوات عموما؛ لأكون مثل السلف روحيا وتعبديا، لكن غالبا لا يطول الحال الجيد، ثم يحدث انهيار.
فبعد أن أكملت شهرا ونصفا آكل بشكل منظم، أو بقدر ما يسد جوعي فقط، وكنت أقوم الليل، وأصوم، وأقوم نفسي، انتكست، وأصبحت آكل رغم الشعور بالرغبة في التقيؤ، وأجلد ذاتي مع كل لقمة، فأعيش -كما يقال- لا لذة العارفين، ولا راحة الجاهلين.
وأهلي غير مقتنعين بالضرر الديني والنفسي لهذا الموضوع، والحالة الإدمانية المقيتة التي نحن فيها، والأمر عندهم مقتصر على فقدان الوزن بطريقة ما.
وللمعلومية، فإن الوسواس يفعل هذا معي كثيرا، ولا يكاد يمر يوم أو موضوع من دونه.
أريد أن أعرف الحجم الحقيقي للموضوع في الدين، وكيف أوازنه، وهل حقا لا قيمة لي إذا لم أنجح في إصلاحه؟ خصوصا أنني أعاني من رهاب اجتماعي مرتبط بالوزن والوسواس وغيرهما.
حاليا، مؤشر كتلة جسمي (BMI) نحو (29)، وكان من قبل نحو (36).
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يعينك على مجاهدة نفسك، ويرزقك الاعتدال والسكينة، وألا يجعل عليك في دينك حرجا.
فالمشكلة في رسالتك ليست الطعام وحده، بل إن الوسواس أخذ مسألة الطعام وربط بها أشياء أكبر منها بكثير؛ محبة الله لك، وقيمتك، وصدق التزامك، ومستقبلك في العبادة، بل والجنة والنار. ولهذا صرت لا تأكلين لقمة زائدة فحسب، وإنما تأكلين معها اتهاما لنفسك، وحكما على دينك ومستقبلك، وهذا هو الذي ينبغي تصحيحه أولا، وحتى تضعي المسألة في حجمها الشرعي الصحيح، فانتبهي إلى هذه المعاني:
▪ أولا: الإسلام نهى عن الإسراف، فقال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، وحث على الاعتدال في الطعام، ولكن هذا لا يعني أن كل زيادة في الطعام كبيرة تهدم دين الإنسان، ولا أن من عجز أحيانا عن ضبط شهيته فقد محبة الله، أو صار قليل القيمة، فلا تحولي توجيها شرعيا إلى محكمة تقيمينها لنفسك بعد كل وجبة.
▪ ثانيا: قول الوسواس لك: لن يحبك الله حتى تنجحي في ضبط طعامك باطل؛ فمحبة الله لا تختزل في الوزن، ولا في مقدار ما يأكله الإنسان، وإنما قال سبحانه: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. وأنت أمة لله في أبواب كثيرة؛ تصلين، وتتوبين، وتجاهدين نفسك، وتحاولين إصلاح تقصيرك، فلا تسمحي لمسألة واحدة أن تمحو في نظرك بقية علاقتك بالله.
▪ ثالثا: لا تجعلي كل انتكاسة دليلا على فشل الطريق كله؛ فلقد استطعت إنقاص قدر كبير من وزنك، واستطعت الالتزام مدة، وهذا في ذاته يدل على قدرتك على التغيير، فإذا ضعفت بعد شهر ونصف، فلا تقولي: ثبت أنني لن أتغير أبدا، بل قولي: أخطأت اليوم، وسأستأنف من الوجبة القادمة. وقد قال النبي ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فالثبات لا يعني ألا تتعثري، وإنما ألا تحولي العثرة إلى استسلام.
▪ رابعا: انتبهي من أن يتحول إصلاح الإفراط إلى إفراط من نوع آخر؛ فتجمعين فجأة بين تقليل الطعام، والصيام، وقيام الليل، وطلب العلم، ومحاسبة النفس، وتقليل الشهوات، ثم إذا عجزت عن الاستمرار على هذه الصورة شعرت أنك انهرت. خذي من العبادة ما تستطيعين الدوام عليه، ولا تجعلي الصيام وسيلة لمعاقبة نفسك على الطعام، ولا قيام الليل كفارة نفسية عن وجبة زائدة.
▪ خامسا: لا تقارني نفسك بمن يتوقف عند الشبع بسهولة، ثم تسألين: لماذا أنا؟، فأنت وصفت سنوات طويلة ارتبط فيها الطعام عندك بالخوف، والفراغ، والتوتر، وأحوال البيت، فمن الطبيعي أن يحتاج تغيير عادة ترسخت سنوات إلى مجاهدة وصبر، والمجاهدة نفسها عبادة، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.
▪ سادسا: اقطعي جلد الذات أثناء الأكل؛ فإذا وقعت في الزيادة، فلا تقولي مع كل لقمة: أنا مسرفة، فاشلة، لن أصلح، لن يحبني الله، فهذا لا يعينك على التوبة ولا على الاعتدال، بل قد يدفعك إلى مزيد من الأكل؛ لأن الإنسان إذا حكم على يومه كله بالفشل لم يعد يرى معنى للتوقف، فإذا تجاوزت الحد، فقولي ببساطة: كان ينبغي أن أتوقف، وسأحاول الآن، ثم توقفي عن محاكمة نفسك، وواصلي يومك.
▪ سابعا: لا تربطي الجنة والنار بميزان الوزن؛ فالطريق إلى الجنة أوسع من ذلك بكثير؛ توحيد، وصلاة، وتقوى، وتوبة، وبر، وصدق، ورحمة، وصبر، وأعمال صالحة، مع افتقار دائم إلى رحمة الله، والنبي ﷺ قال: لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فكيف يحصر الوسواس مصيرك كله في علاقتك بالطعام؟
▪ ثامنا: اجعلي لك برنامجا بسيطا للحياة كلها، لا للطعام فقط؛ لأنك ذكرت أن الفراغ، والبقاء الطويل في المنزل، والتوتر الأسري، كثيرا ما تنتهي بك إلى الأكل. فاملئي يومك بما ينقلك من هذه الدائرة؛ قرآن، ودراسة أو عمل، وحركة، ومساعدة في المنزل، وصحبة صالحة، وتواصل مع الأقارب، وتعلم مهارة، وخروج مباح متى تيسر، وكلما جاءك الاندفاع إلى الطعام بسبب الضيق لا الجوع، فغيري المكان، وابدئي نشاطا آخر، ولا تجلسي تفاوضين الفكرة طويلا.
▪ تاسعا: اجعلي اقتداءك بالسلف دافعا إلى العبادة، لا سببا لجلد الذات:
أما رغبتك في أن تكوني مثل السلف روحيا وتعبديا، فهذا أمر حسن، ولكن لا تجعلي صورة مثالية عن السلف سوطا تضربين به نفسك، وإنما بلغوا ما بلغوا بما في قلوبهم من صدق، وافتقار، ومجاهدة، وصبر، وكان بينهم النبي ﷺ، فاقتدي بهم، ولا تجلدي نفسك على التقصير؛ فالله سبحانه يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.
وأجمل تحول يمكنك فعله الآن أن تنتقلي من سؤال: هل سأصبح يوما إنسانة كاملة السيطرة على نفسها؟ إلى سؤال أصغر: ما الطاعة التي أستطيع فعلها اليوم؟ وما الخطوة المعقولة التي أستطيع اتخاذها الآن؟، فإذا أخفقت في جانب، فلا تسمحي له أن يسقط بقية يومك؛ صلي، واقرئي، واعملي، وابتسمي، وابدئي من جديد. وقيمتك عند الله ليست رقما على الميزان، ولا يسقط قدرك عنده لأن لك ضعفا تجاهدينه، بل قد يكون من أجل أعمال قلبك أن تضعفي ثم تعودي إليه، وتجاهدي ثم تتعثري ثم تستأنفي، فلا تيأسي من نفسك ولا من رحمته، قال تعالى: {إن الله يحب التوابين}.
▪ عاشرا: راجعي العيادة النفسية لمتابعة الوسواس القهري ومشكلة الأكل:
وإذا كان لي أن أضيف أمرا مهما، فهو أن ما ذكرته من الإفراط في تناول الطعام، وصعوبة التحكم فيه، وارتباطه بالحالة النفسية والضغوط الأسرية، إلى جانب معاناتك من الوسواس القهري، يستحق مراجعة العيادة النفسية والمتابعة مع مختص؛ لأن هذه الجوانب قد تكون مترابطة، وقد يؤثر بعضها في بعض، فلا ينبغي النظر إلى مشكلة الطعام والوزن بمعزل عن حالتك النفسية.
ومن المهم أن يكون التعامل مع الوزن بطريقة متوازنة وتحت إشراف مناسب، بعيدا عن الحميات القاسية أو الحرمان الشديد أو محاولات معاقبة النفس بالطعام أو الصيام؛ لأن المطلوب ليس مجرد إنقاص الوزن، وإنما الوصول إلى علاقة أكثر اعتدالا مع الطعام، ومعالجة الأسباب النفسية التي تدفعك إلى الإفراط فيه، مع علاج الوسواس القهري ومتابعته؛ ولذلك فإن التقييم النفسي المتكامل قد يساعدك على وضع خطة علاجية مناسبة تجمع بين علاج الوسواس، وتنظيم علاقتك بالطعام، والتعامل مع القلق والضغوط النفسية التي تزيد من هذه المشكلة.
ختاما: نسأل الله أن يرزقك نفسا مطمئنة، وقلبا راضيا، وعبادة متوازنة دائمة، وأن يعينك على الاعتدال في طعامك دون قسوة على نفسك، ويصرف عنك الوساوس واليأس وجلد الذات، ويجعلك كلما تعثرت قادرة على النهوض والعودة إليه، ويرزقك محبته ورضاه والفردوس الأعلى برحمته، والله الموفق.