هل أرحل من المنزل لأبني حياتي بعيدًا عن تحكم والدي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أريد أن أرحل من بيت أبي؛ لأنه متحكم بشكل كبير جدا، لدرجة أنه ضيع شبابي ووقتي، وحتى عملي، وعمري 30 سنة، ولم أستطع أن أتزوج بسببه، أو أعمل في عمل أحبه، بحجة أن علي طاعته في كل شيء، وبسبب تسلطه وتدخله في كل شيء في حياتي، المهم منه والتافه، فقد ضيع عمري وجهدي، ولم أتزوج أو أؤسس حياتي.

وهو شخص متحكم جدا، ونرجسي بشكل مبالغ فيه، ولا يناقش أبدا، ولا يسمع من أي أحد، ولا يقبل إلا رأيه، ويريدنا أن نجلس أمامه فقط دون أن نفعل أي شيء.

هو لا يصلي ولا يصوم، ويسب كثيرا، ومقاطع لأهله وإخوانه، ولا يصل رحمه، ويتناحر مع أي شخص، كما أنه يمنعني من صلة الرحم، بحجة أنهم ليسوا جيدين، وأخاف من زيارتهم بسبب غضبه وسخطه.

وإذا خالفت أي شيء قال عنه: لا، فأنا في نظره عاق، حتى لو كان الأمر بسيطا جدا، ويمنعنا من كثير من الأشياء، حتى لو كانت تافهة، لكي يقهرنا، وينكد علينا يومنا، ويقلل من قيمتنا أمام الجميع.

وأي شيء فيه دفع، ولو قليلا، لإسعاد أنفسنا، يبدأ في تنكيد فرحتنا، ويتحجج بالتوفير، وهو أصلا يريد أن يدخل ذلك المال إلى جيبه.

أنا مقبل على عمل، وعلي الخروج من المنزل، وعند مناقشتي له بدأ في التقليل من قيمتي، ويصفني بأوصاف مختلفة، ويحبطني، ولا أحد يستطيع الكلام معه، ولا حتى أي من الأقارب، بسبب صلابة عقله.

وأنا أريد، بصراحة الخروج من المنزل وهجره، ولكن يصعب علي ترك أمي، وبالتالي فإن أبي سوف يحلف بالطلاق عليها، إذا كلمتني عند خروجي من المنزل بشكل دائم، حتى أؤسس حياة كريمة لي.

فهل أرحل من المنزل، وأؤسس حياتي في الخارج؛ لأنه إذا بقيت، فسوف تبقى حياتي كما هي بسبب تحكمه الزائد، وطاعتي له المفروضة؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أن ثلاثين عاما من عمرك قد مضت، وأنت تعيش تحت وطأة سيطرة والدك الشديدة، حتى ضاع عليك فيها زواجك وعملك الذي تحبه.

وأنت اليوم تقف أمام قرار صعب بين الرحيل لتأسيس حياتك، وبين خوفك على والدتك من غضبه إن فعلت، وهذا الشعور بالغبن والحصار في أضيق مكان يفترض أن يكون أوسع أبواب الطمأنينة، وهو بيت الأسرة، شعور ثقيل جدا يستحق أن يتوقف عنده الإنسان طويلا.

ولعل أشد ما يؤلم في مثل حالك أن يكون مصدر الجرح أقرب الناس إليك، وقد صدق طرفة بن العبد حين قال:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *** ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند

نود أن نطمئنك -أخي الكريم- إلى أن الإسلام حين أمر ببر الوالدين، لم يجعل هذا البر طاعة مطلقة بلا سقف، فقد قال النبي ﷺ: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فطاعة الوالد واجبة فيما فيه رضا الله، لا فيما يعطل حياتك، ويحرمك من حقوقك المشروعة في الزواج والعمل وصلة الرحم، وبر الوالدين خلق عظيم أمر الله به في محكم كتابه، إذ يقول سبحانه: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}.

لكن هذا الإحسان له معنى، وهو أن ترعى حق والدك في الاحترام والدعاء وحسن الخطاب، لا أن تلغي وجودك وقرارك ومستقبلك إرضاء لتسلط قد يصل إلى حد الإساءة النفسية، فالفرق كبير بين البر والاستسلام لظلم يقهر النفس، ويطفئ الأمل، والله سبحانه لم يكلفنا إلا وسعنا.

أما مسألة قطع والدك رحمه، ومنعك من زيارة أقاربك، فهذا أمر منفصل عن طاعته في شؤونك الخاصة، فصلة الرحم واجبة شرعا، وقطعها من كبائر الذنوب، وأنت لست مطالبا بأن تتبعه في معصية يقترفها. ويمكنك أن تحافظ على صلتك بأرحامك بحكمة وهدوء، دون مواجهة مباشرة تشعل غضبه، فالدين لا يطلب منك أن تكون خصما لوالدك، لكنه لا يطلب منك أيضا أن تكون شريكا له في قطيعة الرحم.

يمكن أن ننظر إلى قرارك من زاويتين: الأولى هي مسألة الرحيل عن المنزل من عدمه، والثانية هي كيفية الحفاظ على والدتك وعلى صلتك بها بعد هذا القرار.

وفي الزاوية الأولى، فإن سعيك لتأسيس حياة كريمة بعمل تحبه، وزواج ينهي وحدتك، ليس عقوقا، بل هو حق مشروع كفله لك الشرع، فالإنسان خلق ليعمر الأرض ويؤدي رسالته، لا ليبقى أسيرا لإرادة إنسان آخر، مهما كان قريبا منه.

وأما الزاوية الثانية، فهي الأدق والأكثر حاجة إلى الحكمة، فخوفك على والدتك مشاعر نبيلة تدل على قلب رحيم، ولا بد أن تدار بتعقل شديد حتى لا تتحول رغبتك في الاستقلال إلى سبب أذى إضافي لها.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- على هذا القرار:

• أولا: استخر الله عز وجل قبل أن تحسم أمرك، فالاستخارة تربط قلبك بالله، وتورثك طمأنينة مهما جاءت النتيجة.
• ثانيا: لا تجعل الرحيل قرارا مفاجئا أو انفعاليا ينفذ في لحظة غضب، بل رتبه خطوة خطوة، وابدأ بتأمين استقرارك المهني والمالي؛ بحيث يكون خروجك من المنزل مبنيا على أرض صلبة، لا على رد فعل.
• ثالثا: احرص على أن يكون حديثك مع والدتك بعيدا عن أي مواجهة توريطا لها مع والدك، وطمئنها إلى أن رحيلك ليس هجرا لها، بل هو سعي لبناء حياة يمكنك من خلالها أن تكون سندا حقيقيا لها لاحقا.
• رابعا: حاول أن تبقي جسور التواصل معها بوسائل هادئة لا تستفز والدك، كزيارات مدروسة التوقيت، أو تواصل غير مباشر عبر شخص موثوق من العائلة.
• خامسا: ابحث -إن أمكن- عن شخص له وزنه واحترامه عند والدك، من كبار العائلة أو من أهل الصلاح، ليكون وسيطا يخفف من حدة الموقف، دون أن يضعك في مواجهة مباشرة.
• سادسا: احفظ لسانك مع والدك مهما بلغ الأمر، فحسن الخلق معه لا يعني الخضوع لظلمه.

وأكثر من الاستغفار والدعاء له بالهداية، فقد يكون ما تراه من تسلطه ألما يحمله هو نفسه من جروح لم يعالجها.

أما فيما يخص خشيتك من أن يحلف والدك بالطلاق على والدتك إن تواصلت معها، فهذه مسألة فقهية دقيقة تحتاج إلى سؤال أهل العلم الموثوقين عن حكمها، وعن الطريق الشرعي للتعامل معها، ولا نستطيع أن نفتيك فيها هنا، لكننا ننصحك بألا تجعل هذا التهديد وحده حاجزا نفسيا يمنعك من كل قرار، فالله عز وجل قادر أن يجعل لك من كل ضيق مخرجا.

ولا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، فما وصفته من سمات والدك من تحكم شديد، ورفض للنقاش، وتقليل من قيمة من حوله، أمر يحتاج إلى تقييم متخصص لا يمكن أن يتم عبر رسالة، ولأن أثر هذه العلاقة عليك يبدو عميقا وممتدا منذ سنوات طويلة، فمن الحكمة أن تستعين بأخصائي نفسي أو أسري مؤهل يساعدك على معالجة الإحباط والشعور بتقليل القيمة الذي تراكم لديك. كما يعينك على اتخاذ قرارك بخطوات متوازنة تحفظ لك دينك وكرامتك وصلتك بأمك في آن واحد، فطلب المساعدة ليس ضعفا، بل هو قوة ورغبة صادقة في الشفاء.

تذكر -أخي الكريم- أن الطريق إلى الراحة قلما يكون سهلا، فما تمر به اليوم من ضيق قد يكون هو الجسر الذي يوصلك إلى حياة أهدأ وأكرم، إن أحسنت التوكل على الله وحسن التدبير.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات