حريصة على ديني لكن من حولي يتهمونني بالتشدد، فما نصيحتكم لي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا أشعر دائما بالإثم إن لم أقم بنصيحة أحدهم، أو إخبارهم بأن هذا حرام، وأني آثمة، ولا أرتاح أبدا في حياتي.

أريد حسنات كثيرة حقا، وأشعر بالانزعاج إن أضعت فرصة فيها حسنات كالنصح؛ فأنت عندما تنصح، أنت لا تخرج من دائرة الإثم فقط، بل أنت أيضا إن عمل هذا الشخص على نصيحتك فستأخذ حسنات، ولكنني أجد نفسي في النصح سيئة، وعندما وجدت ذلك لم أعد أريد أن أنصح، وخصوصا عندما قرأت الحديث الذي دعا فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- على من يشق على الناس في دينهم.

أنا أقول لهم: حرام فقط، وربما يتكرر مني الأمر لدرجة أنهم رأوني متشددة؛ وأحمد الله أنه لم يترك أحد دينه بسببي.

أنا تركت أشياء كثيرة حقا في حياتي، وأنا أحبها فعلا؛ فأنا أحب المسلسلات، والأنمي، وأيضا الألعاب كلعبة (روبلوكس)، ولا أزكي نفسي، ولكن أشعر أنني أشق على نفسي أيضا؛ تركت الأغاني أيضا حتى التي بدون موسيقى، ولم أعد أفعل شيئا في حياتي سوى أن أسمع عن الله حتى لا أشعر أنني أفعل ذنبا.

لا أريد أن أفعل ذنبا واحدا، وإن فعلت أشعر بأنه علي أن أبكي كي يغفر الله لي؛ عقلي يؤلمني حقا.

لقد سألت عن لعبة (روبلوكس)، وقيل لي بأنها حرام، وهناك من حرمها تماما، وتلك اللعبة ألعبها منذ صغري، ولدي أصدقاء فيها، حتى إن أبي وأمي أصبحا يشتكيان مني، ويظنان أنني متشددة، وكلهم ينفرون مني، وهذا حقا مزعج، ويجعلني أشعر أني أريد أن أفعل ما يفعلونه أيضا كي لا يتركني أحد.

لا أعلم كيف أوصل الفكرة حقا، لدرجة أني شعرت أني جعلتهم يكرهون كلمة حرام؛ فأشعر بالإثم في كل ما أفعله، وضيق في الصدر عندما أنظر لهؤلاء الأشخاص، وكيف أن الله يرزقهم بحسنات أكثر مني.

أقول لنفسي: ماذا عني؟ فأنا أشق على نفسي، ليس اعتراضا، وإنما أتساءل، لدرجة أنني ظننت أنني أشركت أو كفرت بالله، وهذا وسواس آخر ينتابني.

أرجو منكم إخباري ما هو التشدد؟ وهل ما أفعله حقا سيء؟ وهل حقا لعبة (روبلوكس) حرام؟ وهل أشق على نفسي هكذا؟ لم أعد أفهم أي شيء.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أولا: ابنتنا الكريمة، لا بد أن تعلمي أن من أهم المهمات، وأفضل القربات: التناصح، والتوجيه إلى الخير، والتواصي بالحق والصبر عليه، والتحذير مما يخالف أمر الله ويغضبه، ويباعد عن رحمته؛ فهو سفينة النجاة في لجج الظلمات.

والأمر بالمعروف والنهي، عن المنكر منزلته عظيمة، وقدمه الله -عز وجل- على الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: 110]، وهو نوع من الجهاد؛ فهو بذل للجهد في الأفعال، والأقوال، والنفس والمال، فكتب الله لك الأجر والمثوبة وثبتك على الحق.

ثانيا: وأما معنى التشدد الذي سألت عنه؛ فالجواب: روى البخاري وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، وفي رواية: القصد القصد تبلغوا.

وروى مسلم وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: هلك المتنطعون، قالها ثلاثا؛ والتشدد هو: التعمق والمبالغة في الأعمال الدينية، وترك الرفق، ولا يفعل ذلك أحد إلا عجز وانقطع فيغلب، وأما التنطع فقال النووي: المتنطعون: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، وقد ذكر أهل العلم أمثلة للتشدد والتنطع، منها: تكلف الشخص من العبادة ما لا يستطيع، فيؤدي به ذلك إلى فوات الأفضل أو إلى السآمة فينقطع الشخص، وذلك كمن يتكلف في قيام الليل، ويطيل فيه حتى يتعب من السهر، فتغلبه عيناه عن صلاة الفجر في الجماعة، أو عن أدائها في وقتها المختار، أو الضروري.

ومن ذلك الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة؛ كمن يترك رخصة الفطر في حال السفر، أو المرض، أو يترك التيمم فيستعمل الماء وهو يضره.

ومن التنطع كثرة الأسئلة والتفريعات؛ وقد كان السلف الصالح يكرهون الأسئلة عما لم يقع، فإذا سئلوا عن شيء لم يقع قالوا: دعوه حتى يقع.

ثالثا: بالنسبة للعب بما ذكرته من لعبة (روبلوكس)؛ فالجواب: ينبغي للمسلم عموما، وللشاب والشابة خصوصا، أن يشغل وقته بما يعود عليه وعلى أمته بالخير العاجل والآجل، ولا بأس بالترويح عن نفسه بما هو مباح، وينبغي أن يكون باعتدال، وألا ينهمك في ذلك انهماكا يصل إلى درجة الإدمان، فيؤدي إلى ضياع الأوقات في غير فائدة، ناهيك عن أن يؤدي ذلك إلى التفريط في الواجبات والحقوق، وحتى بخصوص شراء اللعبة، فإن كان أساس مضمونها مباحا، وفيها بعض المخالفات الشرعية التي ليست هي المقصودة بالأصالة، وكان بإمكانك تجنب هذه المخالفات الشرعية بإزالتها من اللعبة، أو إخفائها؛ فلا حرج حينئذ في شرائها، واللعب بها وفق الضوابط الشرعية.

ولذلك لا تحرمي نفسك من اللعب المباح، أو الأمور المباحة؛ لأن النفس تحتاج إلى ترويح؛ فإن القلوب تمل وتعمى، وما دام الترويح في نطاق المباح فلا بأس به، ولا مانع منه.

رابعا: اعلمي أنه لا حرج على المسلم في الترويح عن النفس في أي مجال من مجالات الترفيه المباحة، بل قد يثاب على ترويحه عن نفسه في المباح إذا احتسبه، وجعله معونة له على العبادة والجد، وإنما المذموم هو المبالغة في الترويح والترفيه، حتى يشغل العبد بها عن معالي الأمور؛ قال ابن تيمية: وقد روى أبو حاتم البستي في صحيحه من حديث أبي ذر -رضي الله عنه- الطويل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي فيه من أنواع العلم والحكمة، وفيه: أنه كان في حكمة آل داود -عليه السلام-: "حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه، ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات.

فبين أنه لا بد من اللذات المباحة الجميلة؛ فإنها تعين على تلك الأمور، ومن استعان بالمباح الجميل على الحق، فهذا من الأعمال الصالحة؛ وقد أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة أن تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد، كما روى البخاري ومسلم وغيرهما أن الحبشة دخلوا المسجد يوم عيد يلعبون بالدرق والحراب، ويرقصون، ويغنون بكلامهم فرحا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والنبي -صلوات الله عليه- ينظر إليهم، فسألوا: ماذا يقولون؟ فقال: يقولون: محمد عبد صالح.

ثم جاء عمر فنهرهم، فقال -عليه الصلاة والسلام-: دعهم يا عمر؛ لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، وأني بعثت بحنيفية سمحة.

خامسا: خذي نصيحتي، ولا تكثري الإنكار على أسرتك وصديقاتك فيملونك، ويملون الدعوة، ولكن بالحكمة، وبالتي هي أحسن، واقرئي عما يتعلق بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وكيفية الدعوة، وأما ما يوسوس به الشيطان لك أنك كفرت أو أشركت، فكل ذلك من وساوس الشيطان؛ فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم.

وختاما: أسأل الله تعالى أن يلهمك رشدك، وأن يجعلك مفتاح خير لأسرتك وصديقاتك، آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات