السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي سؤال سابق بشأن الوسواس القهري، وقد أفدتموني -والحمد لله-، جزاكم الله خيرا، والآن تحولت الوساوس إلى ما يشبه الخواطر، فتأتيني الوساوس دون إلحاح، وتبدو كأنها خاطرة، لكنها -للأسف- تأتيني في الصلاة، فمثلا: لقد أخطأت في قراءة الفاتحة أو التشهد وإذا تجاهلت هذه الأفكار، تأتيني فكرة بعدها، مثل: أصبح قلبي لا يخاف، مع أنني أعرف أنها وساوس، وتأتيني خواطر أخرى غير صحيحة متعلقة بالنية، خصوصا أن النية في الصلاة لا تكون في الكلام نفسه، وتأتيني في التشهد أفكار غير صحيحة، فأحاول أن أتجاهلها، لكن عندما أفعل ذلك، تأتيني أفكار بأنني متعمد ذلك، وأنا -والله- لا أكون متعمدا، وتأتيني هذه الأفكار رغما عني.
أشعر أن الوساوس أصبحت مستفزة واستباقية، فمثلا، عندما أفكر في شيء، يغلفه الوسواس سريعا بشيء سيئ، ويخبرني أنني إذا فعلت ذلك فإنني قصدت شيئا سيئا، أعوذ بالله من ذلك.
أخيرا، ذهبت إلى طبيب، وأعطاني دواءين من فئة (SSRIs)، وأعرف أنهما يحتاجان إلى وقت، لكنني أسأل عن الجانب الديني، فهل يمكن أن أقع في شيء سيئ دون قصد، بنية التجاهل مثلا؟ لأن نيتي تكون تجاهل هذه الأفكار، وعدم الالتفات إلى تهديدها وتخويفها لي، لكنني أخاف أن أقع في الخطأ دون أن أقصد.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك مجددا -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك دوام تواصلك، ونهنئك أولا بهذا التقدم والإنجاز الذي حصل معك، ونسأل الله تعالى لك مزيدا من العافية، وأن يصرف عنك شر هذه الوساوس، ويعافيك منها تماما.
ونحن ندرك -أيها الحبيب- أن الوسواس لن ينقطع عنك كلية إلا إذا أعرضت عنه بالكلية، وإلا فإنه سينتقل من نوع إلى نوع آخر؛ فدائرة الوسواس مغلقة معروفة، فيجاهد الإنسان نوعا من الوساوس، فيتهيأ له أنه قد تخلص منها، ولكن يفاجئه الوسواس بنوع جديد، فيجاهده ويطمئن، فيفاجئه بنوع ثالث وهكذا.
ولكن العافية من هذه الدائرة، وللخروج منها بالكلية، مطلوب منك أن تعرض عن الوساوس بشتى أنواعها، ولا تلتفت إلى هذا التخويف الذي تحاول هذه الأفكار أن تلقيه إليك، وأن إعراضك عن العمل بمقتضى هذه الوساوس إهمال للدين، وأنك تقع في أشياء سيئة عن قصد.
فكل هذه المخاوف يحاول الوسواس أن يلقيها في قلبك؛ لتعود إلى هذه الدائرة، فحقر هذه الوساوس بشتى أنواعها ومختلف صورها وهيئاتها، ومهما تعددت مواضيعها؛ لا تلتفت إليها بالكلية، وهذا هو الدواء القالع لها، كما بينا لك في جواب الاستشارة السابقة.
ولا تخف؛ فدينك في خير، وأنت على خير، وإعراضك عن هذه الوساوس وتجاهلك لها شيء يحبه الله تعالى منك، ويرضى به عليك، ويكتب لك به أجرا، فلا تلتفت إلى الأفكار الوسواسية، التي تحاول أن تخوفك وترعبك بأنك متساهل في دينك؛ بل العكس تماما، فالله تعالى يحب منك أن تعرض عن هذه الوساوس، وفي إعراضك عنها امتثال لما يحبه الله، وامتثال لأمر رسول الله، فالرسول ﷺ قد قال للموسوس: فليستعذ بالله ولينته؛ فالانتهاء هذا يعني الإعراض الكامل عنها، فاستمر على هذا التجاهل، وهذا التحقير لهذه الأفكار، وأنها وساوس لا تحتاج منك إلى أي اعتناء واهتمام.
وصبرك هذا سيثمر نتيجة وثمرة قريبة -بإذن الله-، وهي التخلص الكامل من هذه الوساوس، فاصبر قليلا؛ فإن الصبر عاقبته جميلة وحميدة، كما قال الشاعر:
الصبر كاسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
نسأل الله أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.