ما الحد الأدنى لصلة الرحم مع الأقارب البعيدين؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي أعمام وأخوال، لكنني أشعر في صلتي بهم بأنني مقصر، فمثلا، أنا تقريبا ألتقي كل أسبوع بأعمامي الرجال، فأسلم عليهم، وأحدثهم قليلا، ثم أنصرف، ولكن لدي أخوال بعيدون عني، فقد ألتقي بهم مرة واحدة في العام، أو أجري معهم مكالمة هاتفية في العام، ومنهم من لم أره منذ أن تزوج، وعند الاتصال بهم هاتفيا يكون هاتفهم مغلقا.

فهل أكون بذلك قاطعا للرحم، مع أنني أحبهم، وأدعو لهم، ولا أبغضهم؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يونس حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك أخي الفاضل في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

بداية، نسأل الله أن يثبتك على هذا الحرص الشديد على صلة الأرحام، فهي من أعظم القربات، وقطيعتها من كبائر الذنوب، قال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمىٰ أبصارهم}.

وجاء في الحديث: خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك وجاء عن النبي ﷺ: من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه، فصلة الرحم سبب في بركة الرزق والعمر، وهي من أبواب الخير التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها ما استطاع.

أخي العزيز، هناك تفاصيل كثيرة مرتبطة بصلة الأرحام، لا بد أن تكون على وعي بها، حتى تحقق هذه الصلة على الوجه الصحيح، وتنال فضلها وثوابها:

• أولا: تحديد من تتحقق بهم صلة الرحم:
أخي العزيز، اختلف الفقهاء في تحديد الرحم التي تجب صلتها؛ فذهب فريق إلى أن المقصود كل رحم محرم، أي كل قريب لو فرض أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرم الزواج بينهما؛ كالآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والأولاد وأولادهم، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وذهب فريق آخر إلى أن الوجوب يشمل كل قريب من جهة النسب، المحرم وغير المحرم، كأبناء الأعمام والأخوال وغيرهم، ولكل قول أدلته، وقد بسط العلماء هذا الخلاف في كتب الفقه وشروح الحديث، ويمكنك الرجوع إلى ذلك.

والذي يظهر رجحانه -إن شاء الله- أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وأن الواجب المتأكد إنما يكون في الرحم المحرم، وأما غير المحرم، كأبناء الأعمام وأبناء الأخوال، فصلتهم مستحبة، وقطيعتهم مذمومة، لكن لا تبلغ في الحكم رتبة قطيعة الرحم المحرم.

• ثانيا: بماذا تتحقق صلة الرحم؟
أخي الفاضل، صلة الرحم ليست مقصورة على الزيارة، بل تتحقق بكل ما يعد في العرف صلة، كالزيارة، والاتصال، والمكاتبة، والسلام، والسؤال عن الحال، والمساعدة، وقضاء الحاجة، والإعانة عند المرض أو الحاجة، والمشاركة في الأفراح والأحزان وغير ذلك من وجوه البر والمعروف.

فالشارع الحكيم لم يحدد مقدارا معينا للصلة، ولا عددا ثابتا من الزيارات أو الاتصالات، وإنما المرجع في ذلك إلى العرف والقدرة والحاجة؛ فما تعارف الناس على أنه صلة فهو صلة، وما عدوه قطيعة فهو قطيعة.

وعلى هذا، فلا يصح بشكل لازم تحديد صلة الرحم بزيارة سنوية، أو اتصال شهري، أو غير ذلك على سبيل الإطلاق؛ لأن الناس يختلفون، والأقارب يختلفون، والقدرة والحاجة تختلفان، فقد تكون زيارة واحدة في السنة مع التواصل عند الحاجة كافية في حق قريب بعيد، وقد لا تكفي في حق أب أو أم أو أخ أو أخت يسكنون قريبا منك أو يحتاجون إليك.

وأيضا أخي العزيز، الصلة لا تتوقف على أن يبدأ القريب أو يسأل عنك؛ فقد قال النبي ﷺ: ليس المكافئ بالواصل، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها فالواصل الحقيقي هو الذي لا يجعل صلته مبنية على المعاملة بالمثل، ولا ينتظر أن يبادره غيره حتى يبادر هو، وإنما يصل رحمه ابتغاء مرضاة الله واحتسابا للأجر.

وفي الوقت نفسه، لا يكلف الله إنسانا ما لا يستطيع، فصلة الرحم تكون بحسب الطاقة والاستطاعة، والأقرب فالأقرب، فإذا عجز الإنسان عن بعض صور الصلة بسبب البعد، أو ضيق المال، أو ضيق الوقت، أو نحو ذلك، فلا يكلف ما لا يقدر عليه، وإنما يؤدي من الصلة ما يستطيع.

والضابط العملي في صلة الأرحام أن ينظر الإنسان إلى درجة القرابة، وحاجة القريب، وقدرته هو، وما يعده العرف صلة أو قطيعة، فكلما كان القريب أقرب، وكانت حاجته أشد، وكانت القدرة على صلته أكبر، كانت الصلة آكد.

أخيرا أخي العزيز، بإذن الله لا يظهر من الصورة التي ذكرتها أنك مقصر في صلة رحمك؛ فكونك مبادرا إلى زيارة أعمامك أسبوعيا، مع زيارة أخوالك البعيدين والسؤال عنهم متى سنحت الفرصة، مع عدم وجود أحد منهم في حاجة إليك، فهذا في الجملة داخل فيما تستطيع القيام به.

فعليك أن تستمر على هذه المبادرة بالاتصال والسؤال والزيارة بقدر استطاعتك، وكلما سنحت لك فرصة للقاء بهم فذلك أفضل وأكمل، وهذه حدود ما تستطيع، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وإذا شعرت أن الانقطاع الطويل قد يؤدي إلى نفور في النفوس، أو ضغينة في القلوب، أو فتور في العلاقة، فبادر إلى الزيارة ولو من غير حاجة خاصة، محتسبا الأجر والثواب من الله تعالى، وقاطعا الطريق على الشيطان الذي يحرص على إفساد ذات البين بكل وسيلة.

فالمقصود في صلة الرحم ليس أن تثقل نفسك بما لا تستطيع، ولا أن تجعل لها جدولا محددا لا يتغير، وإنما أن تبقى القلوب متآلفة والقرابات مترابطة، والقلوب نقية؛ لأن في هذا استقرارا لعموم المجتمع ونشرا للخير فيه.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مواد ذات صلة

الاستشارات