السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت أرتكب المعاصي عبر الإنترنت، رغم أنني كنت أصلي، ولكن منفردا، وأحيانا مع أهلي؛ لأن لدينا مصلى، ولم نبن مسجدا بعد، ولم أكن أذهب إلى المصلى الذي يبعد حوالي (500) مترا، وكانت حجتي أنه ليس مسجدا.
ومع مرور السنين، حوالي ثلاث أو أربع سنوات، كنت محظوظا بأنني فزت في قرعة العمرة، وقبل السفر بأيام قلت: يجب علي أن أكف عن المعاصي، فليس مناسبا أن أقول: لبيك اللهم لبيك، وأنا عاص لله، فالحمد لله من الله علي بترك المعاصي والتدخين بسبب العمرة، ولما رجعت واظبت على صلاة الجماعة، وهناك أشياء أخرى تركتها فيما بيني وبين الله.
المشكلة أن ابني، الذي يبلغ من العمر حوالي (25) سنة، أصبح تقريبا مدمنا على الإنترنت، ويصلي في الوقت، ولكنني لاحظت في البيت أن لديه أفكارا مضطربة، وهو أصلا يذهب إلى طبيب نفسي، ويكلمني، ويذكرني بما كنت أفعله به من صراخ وتكسير للأشياء، الأمر الذي تسبب في حالة نفسية له، حتى إنه أصبح لا يدعو الله، رغم أنه كان يحب الله حبه الأول، وبدأت تدخل في رأسه أفكار الإلحاد، حسبما صرح لي، ويقول: أما الآن فقد ذهبت هذه الفكرة، ولكن نقص حبي لله، فأنا أحاوره أحيانا، وأرى بعض الاستجابة، ولكنها بطيئة نوعا ما.
ألوم نفسي في كل لحظة، ويوميا، حتى كاد اليأس يتسرب إلى نفسي، وأقول: هذا مما كسبت يداي، وأكثر من الدعاء لأولادي، عسى الله أن يستجيب، ولا أدري ماذا أفعل، هل أقطع عنه الإنترنت؟ وأخاف أن تكون ردة فعله غير متوقعة، فأرشدوني، جزاكم الله خيرا.
ابني رأى التغيير الذي طرأ علي، وهو سعيد بهذا التغيير، والفضل يعود لله، وهناك الكثير، ولكنني أكتفي بهذا القدر.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يحيى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أحسن الله إليك، وثبتك على توبتك، وجزاك خيرا على صدقك مع نفسك وحرصك على ولدك، وأجمل ما في رسالتك أنك لم تكتف بالندم، بل تغيرت بالفعل، وولدك رأى هذا التغير وفرح به؛ فهذه نافذة أمل كبيرة جدا، فلا تجعل الشيطان يحول ندمك إلى يأس.
• أولا: لا تحمل نفسك مسؤولية كل ما أصاب ولدك؛ فالصراخ وتكسير الأشياء والتعامل القاسي قد يترك أثرا نفسيا، ومن الخير أن تعترف بخطئك وتستغفر الله تعالى، وتعتذر لولدك، ولكن ليس صحيحا أن تقول: أنا السبب في كل شيء؛ فالإنسان له اختياراته وظروفه وعوامل أخرى كثيرة؛ قال تعالى: {ولا تقنطوا من رحمة الله}.
• ثانيا: لا تقطع عنه الإنترنت فجأة ولا تدخل معه في معركة؛ فولدك في الخامسة والعشرين، والمنع القسري قد يدفعه إلى مزيد من العناد أو الإخفاء، خصوصا مع وجود اضطراب نفسي سابق. الأفضل أن يكون التعامل معه بالحوار والاتفاق التدريجي على تقليل الاستخدام، مع إبقاء الطبيب النفسي على اطلاع بما يحدث، وإذا ظهرت أفكار إيذاء النفس أو الآخرين، أو اضطراب شديد في الواقع والسلوك؛ فهذه مسألة تستدعي التواصل العاجل مع الطبيب أو الطوارئ.
• ثالثا: لا تجعل القضية كلها إيمانا وكفرا؛ فعندما يقول لك إن أفكار الإلحاد جاءت إليه ثم وجت أن محبته لله تعالى ضعفت، فلا تحاصره بالأسئلة والجدال؛ فأحيانا يكون الإنسان مرهقا نفسيا، فيصبح الجانب الديني نفسه مرتبطا عنده بالقلق والصراع، قل له بهدوء: "أنا لا أريد أن أضغط عليك، وأنا سعيد أنك أخبرتني بما في داخلك، وسأبقى إلى جانبك مهما مررت به"؛ فهذه الجملة قد تفتح قلبا مغلقا أكثر من عشرات المناظرات.
• رابعا: أصلح علاقتك به قبل أن تحاول إصلاح استخدامه للإنترنت؛ فاجلس معه جلسة صريحة وقل له: "يا بني، أنا أخطأت في حقك سابقا، وكنت أصرخ وأتصرف بطريقة آذتك، وأنا نادم وأعتذر لك، ولا أريد أن أبرر خطئي"، لا تطلب منه في المقابل أن يتغير فورا؛ فاعتذار الأب الصادق قد يكون في حد ذاته جزءا من العلاج.
• خامسا: لا تجعل كل حديث بينكما عن الصلاة والإنترنت والإلحاد، بل اصنع علاقة طبيعية معه؛ اخرج معه، واشربا القهوة، ومارسا نشاطا، وتحدثا في أمور الحياة، واسأله عن عمله وأفكاره ومستقبله؛ فأنت الآن تحتاج أن تستعيد مكانتك عنده بوصفك أبا آمنا، قبل أن تكون موجها دينيا.
• سادسا: ساعده على بناء البدائل، لا مجرد إزالة الإنترنت؛ فالنوم المنتظم، والرياضة، والعمل أو الدراسة، والخروج من العزلة، والصحبة الصالحة، وتقليل الخلوة الطويلة بالهاتف؛ كلها أمور مهمة. وإذا كان استخدام الإنترنت قهريا بالفعل، فليناقش ذلك صراحة مع طبيبه النفسي؛ فقد يحتاج الأمر إلى خطة علاج للسلوك الإدماني، لا مجرد إرادة ومنع.
• سابعا: استمر في الدعاء له دون أن تجعل الدعاء عقوبة لنفسك؛ قال النبي ﷺ: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له؛ فمن أعظم ما يبقى للوالد أن يدعو لولده، وأكثر من: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء}، و{ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين}.
وأريد أن أنبهك إلى أمر مهم جدا: لا تراقب ولدك كل دقيقة لتبحث عن علامات التحسن؛ فأنت تبت إلى الله تعالى، وبدأت تصلي الجماعة، وتركت التدخين والمعاصي، وهو رأى التغيير وفرح به.
هذه ليست تفاصيل صغيرة؛ بل قد تكون من أعظم الأبواب التي فتحها الله لكما؛ قال ﷺ: كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ فليس المطلوب منك أن تعود بالزمن لتكون أبا لم تخطئ قط، وإنما المطلوب أن تكون أبا صالحا من هذه اللحظة.
وأما خوفك من أن يكون ما أصاب ولدك بسبب ما فعلته أنت، فحول هذا الخوف إلى عمل صالح، لا إلى جلد للذات؛ اعتذر، وأصلح، وادع، واصبر، ورافقه إلى العلاج، واترك النتائج لله؛ قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب}.
أسأل الله أن يغفر لك ما مضى، وأن يجعل توبتك توبة نصوحا، وأن يصلح لك ولدك، ويشرح صدره للإيمان، ويصرف عنه وساوس السوء والإدمان، ويجمع بينكما على البر والمحبة، وأن يجعل ما مضى من أخطائك بابا إلى رحمة واسعة لا بابا إلى اليأس، ولا تيأس؛ فالله الذي أخرجك من المعصية قادر أن يخرج ولدك من محنته.
والله الموفق.