السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من مشكلة تؤرقني، وتستنزف صحتي النفسية والجسدية، وأرجو منكم توجيهي ونصحي.
زوجي رجل كريم، ولا يبخل علي ولا على أطفالي بشيء، وأنا أحبه، وأريد الحفاظ على بيتي واستقراره، لكن المشكلة تكمن في تكراره للمحادثات العاطفية والإلكترونية مع الفتيات عبر الهاتف، فقد سبق أن واجهته، ووعدني بالتوقف، لكنه يعود إلى السلوك نفسه بطرق خفية، مثل إجراء المحادثات أثناء ساعات العمل، ثم الحظر والحذف.
اتخذت قرارا حازما بالبقاء وعدم الطلاق؛ من أجل أطفالي، ولأنني أحبه، ولكني لا أعرف كيف أتعامل معه بذكاء وحزم؛ لإنهاء هذا السلوك، دون أن أستمر في تفتيش هاتفه، أو أصل إلى طريق مسدود.
وقد أدخلني هذا الوضع في حالة من التفكير القهري والشك المستمر طوال اليوم، وأصبح البكاء والتعاسة أمرا يوميا، وانعكس التوتر على صحتي، ففقدت شهيتي، وأصبت بالنحافة وشحوب الوجه، وأصبح نومي مضطربا، مما أضعف قدرتي على العناية بنفسي وأطفالي.
• كيف أتجاوز مشاعر الشك والتفكير المستمر، وأستعيد سلامي النفسي وصحتي ونضارة وجهي؟
• ما الطرق والحدود العملية الفعالة للتعامل مع الزوج في حال تكرار الخيانة الإلكترونية، دون أن أستنزف أعصابي بالمراقبة؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم أيهم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يوفقك، وأن يهدي هذا الزوج لما يحبه ربنا ويرضاه، وأن يجنبه المعاصي والمخالفات، وأن يجمع بينكم في الخير وعلى الخير.
سعدنا جدا بهذا القرار الذي اتخذته بالبقاء في بيتك والمحافظة على أسرتك، فلا تقولي: لأجل الأطفال فقط، ولكن لأجل نفسك، ولأجل هذا الزوج الذي يحتاج إلى نصحك، ويحتاج إلى إرشادك. وأرجو أن تستبشري بقول النبي ﷺ: لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم، فكيف إذا كان هذا الرجل هو الزوج الكريم الذي لا يبخل عليك، ولا يقصر في حق الأطفال، وبينكم -ولله الحمد- مشاعر من الود؟! فهذا أولى الناس بالنصح، وأولى الناس بأن تصبري عليه.
وإذا لم تصبر المرأة على زوجها، فعلى من يكون الصبر؟! وإذا لم يصبر الزوج على زوجته، فعلى من يكون الصبر؟! ونذكرك بأن العلاقة الزوجية عبادة لرب البرية، وأن الذي يحسن يجازيه الله، وأن الذي يقصر يحاسبه الله تعالى. فقومي بما عليك كاملا، وسلي الله تعالى توفيقه، وسلي الله الهداية لهذا الزوج، ونوصيك بكثرة الدعاء لنفسك وله، ثم نوصيك بالاقتراب منه، والاهتمام به، والاهتمام بنفسك، والتزين له، ومحاولة زيادة القواسم المشتركة؛ كأن تسأليه عن أعماله، وكأن تتواصلي معه أثناء اليوم؛ لأن الزوجة الحانية هي التي تحسن وداع زوجها إذا خرج، وتسأل عنه إذا غاب، وتحسن استقباله إذا رجع.
حاولي أن تزيدي مساحة التواصل بينك وبينه عبر مواقع التواصل وعبر الهاتف، وحاولي أيضا أن تشاركيه الاهتمامات، وكلما زادت الاهتمامات، وكانت هناك هوايات مشتركة ورغبات مشتركة، زادت العلاقة قوة؛ لأن هذا يتيح للزوجين أن تكون بينهما أوقات طويلة وأوقات نوعية، لأنا أيضا نحتاج إلى وقت نوعي وإلى وقت ممتد طويل، واحرصي دائما على أن تكونوا في الطعام مع بعضكم.
ولا تظهري له هذا الانزعاج الزائد، وأوقفي هذا التفتيش والتنبيش؛ لأن الطبيب إذا عرف المرض لا يعيد الفحص، وإنما يبدأ رحلة العلاج، فاجتهدي في العلاج، واجتهدي في إصلاح نفسك، والاهتمام بها، والإقبال على حياتك الزوجية، وهنا ستعرفين -لما تشاركينه الاهتمامات- ما الذي يبحث عنه، وما الذي يشده؛ فالزوج أحيانا يحتاج إلى نوع من الكلام، ويحتاج إلى نوع من الاهتمام، فنسأل الله تعالى أن يعينك على الخير.
واعلمي أن هذا الانزعاج للشيطان فيه دور؛ فهم الشيطان أن يحزن المؤمنين والمؤمنات، وأن يحزن أهل الإيمان، وهمه أن يضيق علينا، فإذا ذكرك الشيطان بما حصل من التقصير، فتذكري أولا القواعد والثوابت التي بنيت عليها هذه الأسرة، وإذا ذكرك الشيطان بالسلبيات، فتذكري ما فيه من إيجابيات، وتذكري أنك صاحبة دور كبير في إصلاحه وهدايته.
ونحن نريد أن نقول: هذه المكالمات بلا شك محرمة، لكن بعض الشر أهون من بعض؛ ولذلك أرجو أن تجتهدي في نصحه، وتذكريه بما فيه من الإيجابيات، وأشعريه أنك تخافين عليه، ولست تخافين منه؛ تخافين من هذا الأمر أن يهدم الثقة، تخافين عليه، يعني كأن تقولي له: "الدنيا فيها شياطين، وفيها شريرات، وفيها أشرار، فابتعد عنهم يا زوجي الحبيب، فأنت يا أبا عيالي رجل طيب كريم، ولا تشبه هذه الأشياء القبيحة"، ونسأل الله تعالى أن يعينك على الثبات، وأن يعينك على الخير،
وأرجو أن تهتمي بصحتك، ولا تعطي الموضوع أكبر من حجمه، وليس معنى هذا أن الذي يحدث صغير، ولكن لماذا يأخذ مساحة ليحول حياتنا إلى تعاسة، ويحول صحتك إلى نحافة وشحوب؟! هذا ما لا نريده.
ولا تتعبي في مراقبته، ولكن علميه أن الله لا تخفى عليه خافية، واربطيه بالله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، واجتهدي معه في أن يكون في البيت حلقة للذكر والتلاوة والإنابة والتذكير، وحاولي أيضا أن تصلي معه النوافل، والمهم أنه لا بد أن يكون هناك برنامج مشترك يزيد المساحات، قال الله تعالى: {وأصلحنا له زوجه}، ماذا كانوا يفعلون؟ {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}.
ونؤكد إعجابنا بفكرة السؤال، وإعجابنا بحرصك على البقاء في بيتك من أجل زوجك، ومن أجل أطفالك، ومن أجل مرضاة الله، ومن أجل هذا المشروع الدعوي الذي هو إصلاح هذا الزوج، وإبعاده عن المواقع السيئة، وأهل الشر، والمواقع المشبوهة.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.