السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبي يسافر خارج البلاد، ويأتي إلينا كل عامين أو أكثر، ويقضي معنا أربعة أشهر أو أقل.
منذ صغرنا، لم يكن يسأل عنا كثيرا؛ فربما كان يتواصل معنا مرة في الشهر، وأحيانا تمر عدة أشهر دون أن يسأل عنا، وعندما كبرنا، أصبحنا نحن من نرسل له الرسائل، لكنه لم يكن يرد إلا مرة كل شهر أو شهرين تقريبا، ومع الوقت أصبحت هذه هي عادتنا، وأصبح التواصل والسؤال من جانبنا أمرا صعبا.
اختلف الأمر هذا العام بسبب كثرة الخلافات بينه وبين أمي، فأصبح يريد منا أن نتحدث معه كثيرا، وأنا الآن أرسل له رسائل كل أسبوع للاطمئنان عليه، لكن المكالمات الهاتفية تثقل علي.
والسبب أن أبي يكون عنيفا بعض الشيء في كلامه، وهناك مشكلات كثيرة بينه وبين أمي، وفي بعض الأحيان تكون المكالمات مرهقة بالنسبة لي؛ لأنه يسألني عن أمور كثيرة، وأنا لا أحب الكذب، وفي الوقت نفسه إذا قلت له الحقيقة، فقد تحدث مشكلات.
أحيانا يرسل لي رسالة للاطمئنان علي، ولكنه يقولها باستهزاء في كل مرة، وأرد عليه بود رغم ضيقي من الرسائل.
عذرا على الإطالة، لكنني أريد أن أعرف: هل عدم اتصالي به هاتفيا، والاكتفاء بإرسال الرسائل للاطمئنان عليه، يجعلني آثمة أو عاقة له؟ لأن هذا الأمر يؤرقني كثيرا، خصوصا أنه قال لي مرة إنني لا أتصل به هاتفيا.
أنا أتصل به أحيانا، لكن ربما مرة كل ثلاثة أشهر.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ضي حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أحسن الله تعالى إليك، وبارك في حرصك على بر أبيك وخوفك من العقوق، وهذه علامة خير تدل على تعظيمك لحق الوالدين، كما أن صبرك على صعوبة التواصل، وحرصك على الرد بأدب رغم ما تجدينه من ضيق، أمر يستحق التقدير.
• أولا: عظم حق الوالدين:
حق الأب عظيم، وبره من أجل القربات إلى الله تعالى، ولا يسقط بسبب بعده عن الأسرة أو تقصيره السابق في التواصل؛ قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا}، وقال سبحانه: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ۖ وبالوالدين إحسانا}، وقال النبي ﷺ لما سئل عن أحب الأعمال إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين.
فلا ينبغي أن يكون تقصير الأب في السؤال سابقا سببا لترك المبادرة إلى بره، ولا أن تقاس صلته بما كان يفعله معكم في الماضي، بل من مكارم الأخلاق أن تبادريه بالإحسان، وتحتسبي ذلك عند الله تعالى.
• ثانيا: هل عدم الاتصال المتكرر يعد عقوقا؟
ليس في الشرع عدد محدد للمكالمات الهاتفية، لكن صلة الأب والاطمئنان عليه من حقوقه التي ينبغي المحافظة عليها بحسب العرف والاستطاعة والحاجة، والرسائل الأسبوعية أمر طيب، لكنها قد لا تكون كافية دائما إذا كان الأب يشعر بالجفاء، أو يطلب التواصل المباشر، خصوصا أنه لا يقضي معكم إلا وقتا قليلا كل عامين أو أكثر.
ولذلك لا أنصحك بالاكتفاء بالرسائل ما دمت قادرة على الاتصال دون مشقة شديدة؛ فحاولي زيادة المكالمات تدريجيا، ولو كانت قصيرة، فإن دقائق قليلة من صوتك قد تعني لأبيك الكثير، قال النبي ﷺ: رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة، وهذا يبين عظيم اغتنام فرصة بر الوالدين، وعدم التفريط فيها.
• ثالثا: افهمي مشاعرك، لكن لا تجعليها تقودك إلى الجفاء:
من الطبيعي أن تشعري بثقل المكالمات، خاصة إذا نشأت على قلة التواصل مع أبيك، وأصبحت معتادة على أن تكون المبادرة من طرفه، وقد يزيد الأمر صعوبة إذا كان أسلوبه حادا أو ساخرا.
ولكن هناك فرقا بين أن تكون المكالمة صعبة وتحتاج إلى تدرج وتدريب، وبين أن تقرري الابتعاد عن أبيك لأن التواصل معه غير مريح؛ فالأول يحتاج إلى معالجة تربوية هادئة، أما الثاني فقد يؤدي مع الوقت إلى اتساع الفجوة بينكما؛ لذا حاولي أن تنظري إلى المكالمة باعتبارها بابا لبناء علاقة أفضل مع أبيك، لا مجرد واجب ثقيل تؤدينه خوفا من الإثم.
• رابعا: كيف تتعاملين مع صعوبة المكالمات؟
يمكنك تطبيق الخطوات الآتية:
ضعي جدولا ثابتا للتواصل: ابدئي بمكالمة كل أسبوع أو عشرة أيام، ولو لخمس دقائق، ثم زيديها تدريجيا بحسب قدرتك، ولا تنتظري أن تشعري بالرغبة حتى تتصلي؛ فالبر يحتاج أحيانا إلى مجاهدة.
🠘 اختاري وقتا مناسبا: اتصلي في وقت تكونين فيه هادئة وغير منشغلة، حتى لا تشعري أن المكالمة عبء إضافي عليك.
🠘 ابدئي بموضوعات بسيطة: اسأليه عن صحته، وأخباره، وعمله، وما يحتاج إليه، واحكي له شيئا من يومك، فليس ضروريا أن تكون كل مكالمة طويلة أو مليئة بالموضوعات المهمة.
🠘 لا تجعلي الخلافات بين والديك محور علاقتك بأبيك: إذا تحدث عن أمك بطريقة تضعك في موقف صعب، فاستمعي بأدب دون الدخول في نقل الكلام أو إصدار الأحكام، وأكثري من الدعاء، وقولي: أسأل الله تعالى أن يصلح بينكما، وأنا أحبكما جميعا، ولا أريد أن أكون طرفا في الخلاف.
🠘 إذا صدر منه كلام ساخر أو جارح، فلا تردي بالإساءة: قال تعالى: {وقل لهما قولا كريما}. ويمكنك الرد بهدوء: يا أبي، أنا أحب الاطمئنان عليك، لكن هذا الأسلوب يؤلمني، وأتمنى أن نتحدث بهدوء، فاجمعي بين الأدب والوضوح، ولا تجعلي ضيقك سببا لرفع الصوت أو القطيعة.
🠘 تجنبي الكذب، واستخدمي الاعتذار المهذب عند الحاجة: إذا سأل عن أمر قد يؤدي إلى مشكلة، فقولي: أعتذر يا أبي، لا أريد أن أتدخل في هذا الموضوع، وأخشى أن يزيد الخلاف، فالصراحة لا تعني كشف كل التفاصيل، والبر لا يوجب عليك نقل كل ما تعرفينه.
• خامسا: لا تنسي حقك في الراحة النفسية:
بر الوالدين لا يعني أن تكوني مسؤولة عن إصلاح علاقة أبيك بأمك، ولا أن تتحملي كل كلام يؤذيك دون محاولة تنظيم التواصل، ولكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول الصعوبات إلى مبرر لترك حق أبيك في السؤال والاهتمام.
وازني بين الأمرين: أدي حق أبيك، وأحسني إليه، وابذلي جهدا في تقوية العلاقة، مع تجنب الدخول في النزاعات التي لا تخصك، وإذا كانت الخلافات بين والديك شديدة، فاستعيني بشخص حكيم من العائلة يحترمه الطرفان، يساعد على تهدئة الأجواء، دون أن تحملي نفسك دور المصلح الأساسي.
ولا تحكمي على نفسك بالعقوق لمجرد أنك لا تتصلين بأبيك كثيرا، لكن لا تكتفي أيضا بما اعتدت عليه إذا كنت قادرة على تحسين صلتك به، واجعلي هدفك أن تنتقلي من التواصل الذي تؤدينه بصعوبة إلى تواصل فيه قدر من المودة والاهتمام، ولو بخطوات صغيرة، وتذكري أن بر الوالدين ليس مجرد تجنب العقوق، بل هو إحسان ومبادرة ورحمة؛ قال تعالى: {وبالوالدين إحسانا}.
أسأل الله أن يلين قلب أبيك لك، ويعينك على بره، ويصلح ما بينه وبين أمك، ويجعل تواصلكم سببا للمودة والرحمة، وأن يرزقك الحكمة في الجمع بين حق والديك وراحتك النفسية، ويكتب لك أجر كل جهد تبذلينه في سبيل برهما، آمين.