لم أعد متقبلة للعيش مع زوجي بعد زواجه بأخرى، فما نصيحتكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أريد أن أستشيركم في موضوع شخصي وأسري حساس، وأرجو أن تجيبوني بما يرضي الله، وبالأدلة الشرعية، وليس من الناحية العاطفية فقط.

أنا متزوجة، وقد اختار زوجي الزواج بامرأة أخرى، وهذا الأمر سبب لي ألما نفسيا كبيرا، وشعرت بأن مشاعري تجاهه قد انكسرت، وأصبحت غير قادرة على التعامل معه كما كنت من قبل.

في الفترة الأخيرة، وجدت أنني عندما أبتعد عنه أشعر براحة وهدوء أكثر، بينما أصبحت فكرة الرجوع والعيش معه كما كنت سابقا ثقيلة جدا علي، وأشعر بأنني لا أستطيع العودة إليه نفسيا، رغم أنني لا أريد أن أظلم أحدا، ولا أن أعصي الله.

لذلك أريد أن أعرف:

• هل مجرد ابتعادي عنه بسبب ما حصل، وشعوري بأنني لا أستطيع العودة إليه، يجعلني آثمة شرعا؟
• هل المرأة مطالبة شرعا بأن تتحمل الألم النفسي الناتج عن زواج زوجها بامرأة أخرى، مهما كان أثره عليها؟

• وجدت رواية ينسب فيها إلى النبي ﷺ أنه قيل له: ألا تتزوج من نساء الأنصار؟، وقيل إن (فيهن غيرة شديدة، ولا يصبرن على الضرائر)، فقال ﷺ ما معناه: إنه يكره أن يسوء قومها، وأريد أن أعرف: هل هذه الرواية صحيحة أصلا؟ وما درجة صحتها؟ وهل يمكن الاستدلال بها على أن الغيرة والألم النفسي عند المرأة أمر معتبر شرعا، وأن الشريعة تراعي طبيعة المرأة ومشاعرها في مثل هذه المسائل؟

• إذا كانت المرأة تخشى على نفسها من ضرر نفسي شديد بسبب التعدد، فهل يوجد في الشرع مخرج لها؟ وهل يجوز لها طلب الطلاق أو الخلع إذا أصبحت غير قادرة على الاستمرار، حتى لو كان الزوج قائما ببعض حقوقه؟

• هل يختلف الحكم إذا وصل الأمر إلى أنني لم أعد أستطيع أن أعطي زوجي حقوقه الزوجية، أو أعيش معه بالمودة والطمأنينة، ليس بغرض معاقبته أو ظلمه، وإنما لأنني أشعر بأنني لم أعد قادرة نفسيا على ذلك؟

وأريد أن أوضح نقطة مهمة جدا، وهي أنني حاليا لا أريد الطلاق، ليس لأنني أصبحت قادرة على تقبل الوضع، وإنما لأنني أخشى على نفسية أولادي وتأثرهم بانفصال والديهم، ولذلك أفكر في الاستمرار في الزواج، وربما التنازل عن بعض حقوقي الزوجية، مقابل بقاء الأسرة، وعدم تعرض الأبناء لصدمة الطلاق.

فهل يجوز للمرأة أن تختار هذا الحل برضاها، فتتنازل عن بعض حقوقها الزوجية، مثل حقها في المبيت، أو بعض حقوق المعاشرة، إذا كان ذلك يساعدها على الاستمرار في الزواج، ويحمي استقرار أبنائها؟ وما الحقوق التي يجوز لها التنازل عنها؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ يسرى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك مع الموقع، وثقتك بنا، ونسأل الله تعالى أن يعيننا على أن نقدم لك ما فيه الخير والنفع من النصح والرأي.

وبداية نقول -ابنتنا العزيزة-: لا شك ولا ريب أننا نقصد -بإذن الله تعالى- إرضاء الله تعالى، ولا بد أن يكون جوابنا لك بما يرضي الله تعالى في ظننا، وليست الآراء التي نقدمها لك مجرد آراء مبنية على العواطف، وإن كانت العاطفة جزءا من حياتنا ومشاعرنا، ولا بد من مراعاتها لتحقيق المصالح، فالشريعة جاءت لتحقيق المصالح.

فالأحكام الشرعية لا بد أن تبين كما جاءت في شرع الله تعالى، ولكن لا بد أن يراعي الإنسان الجانب العاطفي في تعامله مع نفسه، ومع أسرته، كالزوج والأولاد، وقد يترك بعض الحقوق الواجبة مراعاة لأمور أخرى، وهكذا.

وعلى هذا الأساس، نحن نبين لك الأحكام الشرعية، ومع بيان هذه الأحكام، نضيف إليها بيان النصح والتوجيه إلى ما هو أفضل وأنفع لك ولأسرتك، وخاصة أسرتك الصغيرة، المتمثلة في الزوج والأولاد.

أولا: نقول -أيتها الكريمة- إن مجرد تألم المرأة من زواج زوجها بامرأة أخرى، وشعورها بالغيرة، ليس فيه شيء من الإثم، بل هو طبيعة وفطرة فطر الله تعالى المرأة عليها، والله -عز وجل- يسامحها في هذا القدر، ولا يؤاخذها على هذه الغيرة، وقد كانت أمهات المؤمنين -زوجات النبي ﷺ- تشعر الواحدة منهن بغيرة شديدة، وكان الرسول ﷺ يدرك ذلك تماما، ويقول في أحد المواقف عن عائشة -رضي الله عنها-: غارت أمكم، وقد كانت كسرت وعاء لزوجة أخرى من أزواج النبي ﷺ، أرسلته إلى النبي ﷺ وفيه طعام.

فهذا الشعور الذي يعتري المرأة ويصيبها عند زواج زوجها بأخرى أمر مفهوم، والله تعالى لا يؤاخذها بذلك، ولكن يلزمها شرعا أن تقف عند حدود الله تعالى، فلا تظلم زوجها، ولا تضيع حقا من حقوقه الواجبة، فلا يجوز لها أن تمنعه من نفسها، أو تضيع حقا آخر من حقوقه، أما الشعور بالرضا النفسي، وعدم وجود أي ألم أو نحو ذلك عند التعدد، فهذا أمر فوق طاقتها.

ثانيا: ليس مطلوبا منها أن تتحمل الضرر إلى غير نهاية، فالتعدد أباحه الله تعالى للرجل، لكنه جعل له شروطا، كما قال سبحانه: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}، والمرأة التي كلفها الله تعالى بأن تقف عند حدود الله، وأن تؤدي حقوق الزوج، إذا رأت من نفسها أنها لا تقدر على أداء هذه الحقوق، وأنها تخاف على نفسها أن تقع في معصية الله تعالى بالتقصير في حق الزوج، وترتكب الإثم في ذلك، فإن الشرع أباح لها أن تطلب الطلاق، وتفارق هذا الزوج، ولا يجب عليها الاستمرار في هذا الزواج الذي ستقع فيه في الإثم.

أما الرواية التي أشرت إليها، والتي يذكر فيها أن النبي ﷺ كره الزواج من نساء الأنصار بسبب ما فيهن من الغيرة، فهي رواية مروية في كتب الحديث، لكن بأسانيد مرسلة، أي ضعيفة، ولذلك يحكيها العلماء دائما بصيغة التضعيف، ففي مستدرك الإمام الحاكم عن قتادة قال: وتزوج رسول الله ﷺ أم شريك الأنصارية من بني النجار، وقال: إني أحب أن أتزوج في الأنصار، ثم قال: إني أكره غيرتهن، فلم يدخل بها. وفي بعض كتب التاريخ وتراجم الصحابة: أن النبي ﷺ أراد أن يتزوج حبيبة بنت سهل، ثم كره ذلك لغيرة الأنصار، وكره أن يسوءهم في نسائهم.

فهذه الروايات قد يفهم منها أن النبي ﷺ ترك الزواج من نساء الأنصار بسبب غيرة موجودة فيهن، ولكن هذه الغيرة كانت شديدة، بحيث تكون أكثر من غيرة غيرهن من النساء، وإلا فكل النساء فيهن غيرة في هذا الباب.

فإذا زادت هذه الغيرة إلى أن وصلت إلى مرحلة ترى المرأة نفسها فيها أنها لا تقدر على الاستمرار في الحياة إلا بالوقوع في معصية الله تعالى، من حيث التفريط في حق الزوج، فيجوز لها أن تطلب الخلع، كما ورد ذلك في قصة امرأة ثابت بن قيس بن شماس -رضي الله تعالى عنهما-، فإنها أخبرت النبي ﷺ بأنها لا تعيب على ثابت خلقا ولا دينا، ولكنها تكره الكفر في الإسلام، أي تكره أن تقع في المعاصي وهي مسلمة مؤمنة، فتخاف أن تقع في ظلم زوجها والتقصير في حقه، فأمرها النبي ﷺ برد حديقته إليه، وأمر ثابتا أن يطلقها.

أما النقطة الأخيرة التي ذكرتها، وهي رغبتك في الاستمرار في الحياة الزوجية مع التنازل عن بعض حقوقك، فهذا أيضا مخرج حسن، وهو نوع من الصلح الذي أرشد الله تعالى إليه في كتابه الكريم بقوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير}، أي خير من الفراق.

وهذا الرأي هو الذي ننصحك به، فإذا اشتدت بك الغيرة، ولم تقدري على التحمل، فننصحك بألا تستعجلي في طلب الطلاق وهدم الأسرة، وقد أحسنت حين نظرت إلى مستقبل أولادك وأثر الطلاق عليهم، وهذا من توفيق الله تعالى لك أولا، ومن حسن خلقك، ومن إحسانك إلى أولادك.

فننصحك بأن تلجئي أولا إلى هذا الصلح الذي أرشد الله تعالى إليه، وأخبر بأنه خير.

والتنازل عن الحقوق راجع إليك، فيجوز لك أن تتنازلي عن المبيت، وعن النفقة، وعما شئت من الحقوق، ما دام الزوج يرضى بذلك، فهذا هو الصلح، فإذا تراضيتما على شيء، فالأمر إليكما.

نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يقدر لك الخير، ويعينك عليه، وأن يحفظ لك سترك، وأن يعينك على تقبل هذا الوضع، وأن تصبري من أجل نفسك وزوجك وأولادك، واعلمي أن المكاره التي تصيب الإنسان يقدر الله تعالى فيها خيرا كثيرا له، كما قال الله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}.

نسأل الله تعالى لك دوام التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات