السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا دائما أقع في المعاصي، وأحاول منذ سنوات أن أتوقف، فأثبت فترة، ثم أعود مرة أخرى، وفي كل مرة أتوب، لكنني تعبت من المحاولة، وأشعر بأن هذا أقصى ما أستطيع، وقد أثر ذلك في عبادتي، فأشعر بأنني منافقة، وأتساءل: كيف أصلي، أو أذهب لتعلم العلم الشرعي، أو أحاول تحسين ملابسي، وأنا عاصية؟! فأصبحت أريد أن أترك كل عبادتي؛ لأنني أشعر بأنه لا أمل في تغييري، وحقيقة لا أعرف ماذا أفعل!
وأنا طالبة علم شرعي منذ سنة، وقد غيرت من ملابسي، لكن أمي كلما اختلفت معها تقول لي: هل هذا مظهر طالبة علم؟، وأشعر أن معها حقا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
البنت الفاضلة/ آلاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:
▪ أولا: الإنسان عرضة للخطأ والوقوع في المعاصي، وكون الإنسان يعرف خطأه ويتوب إلى الله، فهذا إنجاز كبير، فعليك بالثبات على هذه التوبة النصوح؛ فإن الله تعالى قال عن المسرفين في الذنوب والمعاصي: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر:53].
وقال تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} [الشورى:25]، بل إن الله من سعة رحمته وعفوه وكرمه يفرح بتوبة أحدنا إذا تاب إليه، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه... (رواه مسلم).
▪ ثانيا: كونك تتوبين ثم تعودين إلى المعاصي، فاعلمي أنه مهما ابتلي الإنسان بمعصية، فإنه بمجرد التوبة النصوح يتوب الله عليه، وكلما أحدث الإنسان ذنبا أو معصية أحدث لها توبة، وقد قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور:31].
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم (رواه مسلم)، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: الندم توبة (رواه أحمد وابن ماجه).
▪ ثالثا: لا ينبغي لك اليأس والقنوط من رحمة الله، فقولك: أحس إني منافقة، إذا كان المقصود هو أن الإنسان يرى نفسه مقصرا في طاعة الله بسبب وقوعه في المعاصي، فقد يكون ذلك زاجرا له عن المعاصي، وأما إذا كان المقصود هو اليأس من قبول الله توبتك، فهذا خطأ.
لا سيما قولك: فأصبحت أريد أن أترك كل عبادتي؛ لأنني أشعر بأنه لا أمل في تغييري، وهنا مكمن الخطر؛ فالشيطان يريد أن تيأسي من رحمة الله وتتركي كل العبادات، فاحذري من الشيطان ووسوسته في تركك لعبادة الله تعالى.
والأمل كله في الله جل وعلا، وأنت إذا جددت التوبة إلى الله، وأصلحت ما بينك وبين الله، فلن تنقطعي عن العبادة، ولا تيأسي من قبول الله توبتك، وكلنا مقصرون، فعلينا عدم اليأس من رحمة الله، والاستمرار في التوبة والطاعة لله.
▪ رابعا: بخصوص موضوع الوالدة؛ اعلمي -ابنتنا الكريمة- أن الله تعالى أوصى بالوالدين، فقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} [النساء:36]، ولا سيما الأم، قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} [لقمان:14].
وفي حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين (متفق عليه).
وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك متفق عليه.
وقد حذرنا نبينا الكريم محمد ﷺ من العقوق، وخاصة عقوق الأم، ففي حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات (متفق عليه)، وفي حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين (رواه الترمذي، وصححه ابن حبان).
▪ خامسا: اعلمي -ابنتنا الكريمة- أن حدوث مشكلات بين الأم وبنتها قد يحدث في الأسرة، وإن تفاوتت بين أسرة وأخرى، فعليك أن تعذري أمك، فلربما تعرضت لضغوط الحياة، ولا تظني أن أمك تكرهك، فلا توجد أم تكره أولادها، وأمك عندك تقول لك كلما اختلفت معها: "هل هذا مظهر طالبة عالم" لا تحملي قولها بمحمل سلبي، فإن هذا ما يريده الشيطان منك أن تتركي طلب العلم، وكما قيل: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" وإنما اجعلي قول الوالدة يدفعك إلى ما يجب عليه أن يكون طالب العلم من التأدب بآداب العلم، والتي منها الرفق بالآخرين، وأولى من يجب أن يترفق معه طالب العلم والده ووالدته، فانظري لكلام الوالدة من هذه الزاوية، وانظري في أي تقصير فأصلحيه وعالجيه ولا تيأسي.
▪ سادسا: أنت على ثغرة عظيمة، وهي طلب العلم الشرعي، ولا يخفى عليك فضل العلم وأهله، ولعل الله أن ينفع بك في مستقبل الأيام -إن شاء الله تعالى-.
وختاما: أسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد، والعلم النافع، والبر بأمك، وأن يسعدك في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.