السؤال
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أعتذر عن الإزعاج، لكنني أعاني من وسواس قهري متعلق بالكفر، فكلما تحدثت في موضوع أتساءل: هل كفرت أم لا؟
فمثلا، كنت اليوم في نقاش مع صديق حول الحالة الاجتماعية لجيل معين، فقلت: لماذا لم يكن لهم مال؟ ولماذا لم تكن لهم مدارس في المناطق البعيدة؟، وكان قصدي أن هناك تقصيرا من الجهات المسؤولة، لكن نفسي توسوس لي بالكفر؛ لأن الرزاق هو الله وحده، وتقول لي إنني بسؤالي هذا أعترض على قضاء الله وقدره.
أرجو الإجابة؛ لأنني في حالة حرجة بسبب هذا الوسواس، وأريد نصائح وإرشادات.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ زهير حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يصرف عنك شر الوساوس، ويذهب عنك عبئها.
وقد أحسنت -أيها الحبيب- حين بدأت السؤال عما ينبغي أن تفعله مع هذه الوساوس في أول الطريق؛ وهذا الوسواس -أيها الحبيب- ليس أمرا غريبا؛ فقد يصيب بعض الناس، وقد أصاب من هو خير منك، وأقرب إلى الله، وأفضل؛ وهم بعض صحابة رسول الله ﷺ.
فنحن نتفهم أنك وقعت تحت تأثير هذه الوساوس، ولكننا في الوقت نفسه نحثك ونطالبك بأن تسلك الطريق الشرعي في التعامل مع هذه الوسوسة، والطريق الشرعي الذي أرشد إليه النبي ﷺ في التعامل مع هذه الوساوس؛ اختصره -عليه الصلاة والسلام- في ثلاث كلمات، وهي تشكل المنهج والطريق الذي ينبغي أن تسلكه:
أول هذه التوجيهات: اللجوء إلى الله تعالى، والاعتصام به، وطلب الحماية منه؛ فهو -سبحانه- القدير على أن يدفع عنك كل الشرور، ومن ذلك شرور هذه الوساوس، فأول خطوة ينبغي أن تفعلها: هي أن تلجأ إلى الله عندما تداهمك هذه الأفكار؛ فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
والخطوة الثانية: هي أن تحقر هذه الأفكار، وتعلم أنها أفكار لا تستحق منك أي اعتناء؛ فهي أفكار حقيرة، تجاهلها تماما، وأعرض عنها، لا تتفاعل معها بأي نوع من أنواع التفاعل، لا تبحث عن إجابات لأسئلتها، ولا تسأل نفسك وتحاسب نفسك عند كل فعل: هل كفرت أم لا؟ وهل هذا الفعل يحتمل أن يكون كفرا أو لا؟ ونحو ذلك من الأسئلة، تجاهلها تماما وأعرض عنها.
هذه هي الخطوة الثانية في مداواة هذا الداء، وطريق التخلص من هذا المرض، وفي هاتين الخطوتين؛ قد قال الرسول ﷺ موجها من أصيب بشيء من الوساوس، قال: فليستعذ بالله ولينته، وهذا الانتهاء هو الانصراف الكامل عن هذه الوساوس، والتجاهل الكامل لها، وهي في الحقيقة أفكار حقيرة؛ لا ينبغي أبدا أن تشتغل بها.
فالذي يطمئنك ويعينك على تجاهلها: هو أن تدرك أنها لا تضرك، ولا تؤثر في دينك، وأن إسلامك بخير، وأن الشيطان هو الذي يحاول أن يقذف في قلبك هذه الوساوس؛ ليدفعك إلى دائرة الحزن، ويجعلك تعيش في غم وهم.
والله -عز وجل- يدعوك إلى خلاف هذا كله؛ يدعوك إلى أن تعيش حياتك بطمأنينة، وسكينة، وانشراح صدر؛ فقد قال الله: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}، بل أنزل هذا القرآن لتعيش حياة طيبة؛ فقال: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}؛ حياة سعيدة، حياة هادئة، حياة مريحة.
الله تعالى أنزل هذا الدين لنعيش هذا النوع من الحياة؛ فذكر نفسك أنت بهذا كله؛ ليسهل عليك تجاهل هذه الأفكار؛ فإن الله لا يحب منك أن تهتم بها وتعتني بها، ولا أن تجيب عن أسئلتها، بل يأمرك بخلاف هذا، هذا كله سيهون عليك تجاهلها، ويسهل الانصراف عنها.
ومما يبشرك -أيها الحبيب- ويغرس في قلبك هذه الراحة وهذا السرور: أن تدرك أن خوفك هذا من موضوع هذه الوساوس ونفورك منها؛ هو دليل على وجود الإيمان في قلبك، وهذا ليس كلاما نقوله من عندنا لنطمئنك فقط، بل هي بشرى من النبي ﷺ لكل من هو في مثل حالتك؛ فقد جاءه بعض الصحابة يشتكي إليه أنه يجد شيئا في صدره لا يستطيع أن يتكلم به، فقال له النبي ﷺ: ذاك صريح الإيمان؛ فجعل كراهية الوساوس والنفور منها دليلا صريحا واضحا على وجود الإيمان في القلب.
فاستحضر هذا حتى تشعر بالسرور والفرح، وشعورك هذا بالسرور هو من أهم الأسباب أيضا في علاج هذه الوساوس ومداواتها ودفعها عنك؛ كما أرشد إلى ذلك العلماء.
وأخيرا -أيها الحبيب-: الخطوة التي ينبغي أن تتمسك بها أيضا: الإكثار من ذكر الله تعالى على الدوام، والتحصن بهذا الذكر العظيم؛ فإنه من أعظم الأسباب في دفع الآفات عنك، اقرأ كثيرا كتاب الله تعالى، حافظ على طهارتك، حافظ على الصلوات في أوقاتها، صاحب الصالحين وجالسهم، حافظ على الأذكار خلال اليوم والليلة.
إذا سلكت هذا الطريق وصبرت عليه؛ فإننا سنسمع منك -بإذن الله تعالى- في القريب العاجل الأخبار السارة، التي تخبرنا فيها -بإذن الله- أنك تخلصت من هذه الوساوس إلى الأبد.
نرجو الله تعالى أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.