السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكتب إليكم وأنا أعيش فترة صعبة للغاية من حياتي، فأنا أبلغ من العمر (21) عاما، وقبل نحو سبع سنوات تعرضت لحادث في ركبتي، ومنذ ذلك الحين لم أتعاف تماما.
تعبت جسديا ونفسيا من طول هذه السنوات، ومن كثرة الضغوط والمشكلات التي أحاطت بي من كل جانب، وأشعر بأن حياتي متوقفة، وأن أموري متأخرة مقارنة بمن هم حولي.
وأصبحت أعيش حالة من الإنهاك الشديد، وأشعر أحيانا بكسرة في قلبي، وكأن بيني وبين الراحة جدارا، وكأن دعائي لا يصل، رغم أنني لم أترك بابا إلى الله إلا وطرقته، فأنا:
• أؤدي صلواتي في أوقاتها، وأصوم.
• أداوم على قراءة سورة البقرة، وأذكار الصباح والمساء.
• لا تفارق المسبحة يدي في الاستغفار والحوقلة، وأدعو الله وأتوسل إليه وأبكي طلبا للفرج.
• أحرص على الصدقة، وغير ذلك.
لكنني ما زلت أعاني من ألم الركبة وانتكاسها، ومن تأخر التغيير في واقعي، وأخشى على نفسي من تسلل اليأس أو السخط، أو ورود أي أفكار غير سليمة دون قصد.
أسئلتي واستفساراتي:
• كيف أتعامل مع هذا التعب النفسي والجسدي، وأستعيد سكينة قلبي دون أن أفقد الأمل، وأطرد أي شعور بابتعاد الله عني؟
• ما النصائح الشرعية والإيمانية التي تساعدني على الصبر والثبات، واستكمال العلاج دون أن أشعر بثقله؟
جزاكم الله خيرا، وبارك في علمكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أريام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشفيك ويعافيك، ويجبر قلبك، ويكتب لك بعد طول الصبر فرجا وعافية.
نحن نتفهم حديثك جيدا، ونشعر بمعاناتك، فاستمرار ألم الركبة سبع سنوات، مع تعثر بعض أمور الحياة؛ قد يورث الإنسان شيئا من التعب والحيرة، ولكن ينبغي ألا يتحول تأخر الشفاء إلى شعور بأن الله بعيد عنك، أو أن دعاءك لم يستجب، أو أن الله لم يسمع دعاءك، أو لم يرد بك خيرا، فالله حكيم عليم، وهو يعلم ونحن لا نعلم.
وحتى يستمر قلبك في طريقه بمزيد من السكينة، فهذه بعض المعاني التي نوصيك بها:
• أولا: لا تجعلي العبادة مقابلا مباشرا للشفاء، بمعنى أن تقولي: صليت، وقرأت سورة البقرة، واستغفرت، وتصدقت، فلماذا لم أشف؟!، فهذا خطأ؛ لأن هذه العبادات في ذاتها مكاسب عظيمة تقربك إلى الله، والدعاء عبادة كذلك، أما وقت الإجابة وصورتها فإلى حكمة الله تعالى.
وقد يعطيك -سبحانه- ما طلبت، أو يؤخره، أو يدفع عنك من السوء ما لا تعلمين، وكل ذلك عند الله بقدر، فلا تجعلي تأخر النتيجة دليلا على عدم القبول، ولا تربطي قربك من الله بزوال الألم مباشرة.
• ثانيا: لا تفسري طول البلاء بأنه غضب من الله، فالأنبياء -وهم أحب الخلق إليه- كانوا أشد الناس بلاء، وقد قال النبي ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فليس كل تأخير حرمانا، ولا كل ألم علامة على البعد عن الله.
واعلمي أن طبيعة الإنسان أن يرى البلاء الذي يباشره أعظم البلاء؛ لأنه يشعر بألمه كل يوم، بينما يرى ابتلاءات الآخرين من بعيد، فإذا ضاق صدرك، فانظري إلى من هو أشد منك ابتلاء، لا لتحتقري ألمك، ولكن لتستعيدي رؤية النعم التي حجبها عنك طول الاعتياد عليها.
فأنت بالنسبة إلى فتاة في مثل عمرك فقدت إحدى كليتيها، وتعيش مترقبة على الأخرى في عافية، تملكين نعمة عظيمة، وبالنسبة إلى شابة أصابها السرطان ولا تملك ثمن طعامها، فضلا عن علاجها، فأنت في سعة، وبالنسبة إلى من فقدت بصرها أو قدرتها التامة على المشي، أو من تقضي عمرها بين المستشفيات، أو من فقدت أبويها وبيتها في حرب، تملكين من النعم ما تتمناه هي كل ليلة.
وفي المقابل، قد ينظر إليك من هو معافى في ركبته، فيجد عندك من نعم الدين أو الأسرة أو العلم أو غيرها ما يفتقده هو، وهكذا الدنيا، لا يجتمع لأحد فيها كل ما يحب، ولا يسلم أحد من كل ما يكره.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا الميزان فقال: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم.
وليس المقصود أن تقولي: إذا لا يحق لي أن أتألم، بل أن تقولي: نعم، عندي بلاء أتمنى زواله، ولكن حياتي ليست بلاء كلها، فعندي أيضا نعم كثيرة تستحق الحمد، ولي رب واحد أرجو منه حفظ الموجود وشفاء المفقود.
فالبلاء حين نحدق فيه وحده يكبر حتى يملأ الحياة، فإذا وضعناه إلى جوار ما بقي من نعم الله، عاد إلى حجمه الحقيقي، وأصبح جزءا مؤلما من الحياة، لا الحياة كلها.
• ثالثا: لا يلزم أن تعرفي الحكمة الخاصة من إصابتك حتى تصبري، فنحن نعلم أن الله حكيم، وإن خفيت علينا تفاصيل حكمته، والله تعالى هو القائل: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.
فالبلاء قد يكون تكفيرا للخطايا، ورفعا للدرجات، وقد تكون وراءه حكم لا تظهر إلا بعد زمن، فلا تجعلي خفاء الحكمة سببا لسوء الظن بالله.
• رابعا: الصبر لا يعني ألا تتعبي أو تحزني، فقد قال يعقوب -عليه السلام-: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}، فاشكي إلى الله همك، وابكي بين يديه، واسأليه العافية، ولكن لا تجعلي الحزن يتحول إلى اعتراض أو يأس.
واجعلي شكواك إلى الله وسيلة للراحة والافتقار إليه، لا بابا لمراجعة نفسك واتهامها، فالله يعلم ضعفك وتعبك، ويعلم أنك لا تريدين السخط، وإنما تبحثين عن الفرج والعافية.
• خامسا: لا تقارني حياتك بمن هم حولك، فتأخر بعض أمورك لا يعني أن حياتك توقفت، فلكل إنسان قدره وطريقه وابتلاؤه، وأنت لا تعرفين ماذا تخبئ لك السنوات القادمة.
فاعملي على ما تستطيعين الآن، ولا تؤجلي حياتك كلها إلى يوم الشفاء الكامل، بل عيشي في حدود استطاعتك، واستثمري ما لديك من قدرات ونعم، مع الاستمرار في طلب العلاج والسعي إلى تحسين حالتك.
• سادسا: استمري في العلاج والأخذ بالأسباب، ولا تعارضي بين ذلك وبين الرقية والدعاء والتوكل، وأما عبادتك، فالزمي برنامجا تستطيعين الاستمرار عليه دون إرهاق، كالفرائض، وأذكار الصباح والمساء، وورد من القرآن، والدعاء والاستغفار.
ولا تجعلي نفسك في اختبار يومي، فتقولي: هل تحسنت الركبة بعد قراءة سورة البقرة؟ وهل تغير شيء بعد الصدقة؟!، بل اعبدي الله واستشفي بكلامه، واتركي النتائج له -سبحانه-.
وإذا جاءك خاطر يقول: دعوت كثيرا ولم يحدث شيء، فقولي لنفسك: أنا مأمورة بالدعاء والسعي، ولست مكلفة بتحديد وقت الإجابة، ثم لا تسترسلي مع الفكرة.
وتذكري قول النبي ﷺ: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه، فما مضى من سنوات الألم ليس ضائعا عند الله إذا صبرت واحتسبت.
نسأل الله أن يشفيك شفاء تاما، ويذهب عنك الألم، ويقوي قلبك وجسدك، ويرزقك الصبر من غير مشقة أو يأس، ويفتح لك أبواب العمل والنجاح والفرج، ويعوضك عن سنوات التعب عافية وسكينة وتوفيقا، والله الموفق.