السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تعرفت إلى شخص منذ أربع سنوات، بحكم أننا نعيش في الغربة، ومع مرور الوقت أصبح كثير السؤال عني، ويريد معرفة كل شيء يتعلق بي، حتى وقت خروجي من عملي ودخولي إليه.
وفي إحدى المرات أريته هاتفي؛ لأنه كان بصدد شراء هاتف، وطلب مني نصيحة، وفي اليوم التالي وجدت هاتفي معطلا تماما ومحترقا، فلم أعر الموقف أي أهمية.
ثم بعد ذلك أصبح يلح علي في أن نلتقي دائما، ويتحدث عني كثيرا، ويريد معرفة أي شيء يخصني، كما كان يصر دائما على معرفة ساعة انتهائي من العمل؛ لأن العاملين في عملي يخرجون مباشرة بعد إتمام عملهم.
ومع كثرة أسئلته، تغيرت مواعيد العمل، وعندما علم بذلك بدا وكأنه ارتاح نفسيا، فأصبحت أقلق منه، حتى أصبت بمرض في كتفي، وتدهورت صحتي، وتوقفت عن العمل، ثم استقلت؛ لأنني لم أعد أستطيع ممارسة عملي بسبب هذا المرض.
ثم بدأت أشعر بأن هذا الشخص ربما أصابني بعين، فبدأت أتجنبه، ورغم ذلك كان يصر ويلح علي، لكنني قاطعته؛ لأنني خفت منه، وربما كانت له نفس عائنة أو خبيثة.
وبعد ذلك رحلت، فلم يعد يراني، والحمد لله، ثم أصبحت أبحث عن عمل منذ ستة أشهر، مع أنني أمتلك جميع متطلبات العمل المطروح، لكنني أرفض دائما.
وقد دعوت الله ليلا ونهارا، وتصدقت، وأنا من محبي الصدقة -والحمد لله- منذ زمن بعيد، لكن بدأ الأمر يضيق بي، وأنا دائما ألجأ إلى الله سبحانه وتعالى، ولا ألجأ إلى الأشخاص.
ومع ذلك أشعر بأن الله غاضب مني، وأنه لم يتقبل دعائي، وأنا على حافة الإفلاس، فرقيت نفسي، وقلت: ربما أصابتني عين من هذا الشخص، فأرجو منكم أن توضحوا لي الأمر، فأنا في حيرة من أمري.
ودمتم في خدمة الإسلام والمسلمين.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سليم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:
أولا: وصف الله تعالى أصحاب رسول الله ﷺ بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم؛ قال تعالى: {محمد رسول الله ۚ والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}، وروى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه.
ويكفينا قول النبي ﷺ: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.
فهذه الأحاديث تدل على صدق الأخوة في الله، ولكن لا بد للمسلم من حسن الاختيار للصديق والخليل، وما ذكرته عن هذا الصديق الذي كان أذاه أعظم من أخوته -كفاك الله شره-، وللأسف إعطاء الصديق تفاصيل حياتك ليس بصواب؛ لا سيما مع إلحاحه في معرفة تفاصيل حياتك اليومية، ولا سيما ما تعلق بالعمل والوظيفة، ولكن لا بد من الاستفادة من هذا الدرس.
• ثانيا: وفي هذه العجالة أطلعك على شروط الصحبة والأخوة، ومن أهم شروط الأخوة في الله وعلاماتها حتى نكون إخوانا في الله صادقين:
- النصح والتواصي في الله؛ ويكفينا قول الله تعالى في الكتاب الكريم: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
- الإصلاح بين الناس؛ فجعل الله تعالى الإصلاح بين الأخوين من التقوى، وحسبنا قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}.
- عدم التكلف، والتواضع، وتقوى الله ما استطعنا، والحب في الله والبغض في الله، والإعطاء لله والمنع لله، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
• ثالثا: لا بأس أن ترقي نفسك أو تطلب الرقية من أهل الاختصاص؛ لا سيما وأنك تشعر بإصابتك بالعين من صديقك الذي كان يسألك عن الصغيرة والكبيرة في حياتك؛ فلا حرج عليك في أن ترقي نفسك، أو تطلب الرقية من راق موثوق بدينه؛ إذ من المعلوم أن رقية المريض جائزة، ولها ضوابطها التي إذا تحققت فيها كانت مشروعة.
فالرقية الشرعية تشرع للمصاب وغير المصاب؛ لأن الرقية دعاء، والدعاء كما في الحديث: ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء (رواه أحمد والترمذي والحاكم).
والمسلم إذا أصيب بسحر أو عين وصبر؛ فإنه يؤجر؛ لأن كل ما يصيب المسلم من هم، وغم، وكرب يؤجر عليه، ويكون سببا في تكفير ذنوبه؛ ففي الحديث المتفق عليه: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.
لكننا لا نريد أن تتوقف عند مسألة العين، ولوم نفسك؛ لأن هذه أمور غيبية، ويكفي أن ترجع الأمور للقدر، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين كما قال صلى الله عليه وسلم، لكن لا شيء يسبق قدر الله، فاصبر على ما أصابك، واحمد الله على ما ابتلاك، وسل الله العافية والرضا.
• رابعا: المسلم عليه أن يدعو ربه ويلح عليه في الدعاء، ولا ييأس من إجابة الله له في دعائه ولو تأخرت الإجابة؛ بل إن تأخر الإجابة ليست عنوان غضب الله على المسلم، وما ذكرت عن نفسك فهذا نوع من الابتلاء، وفي الحديث القدسي: ينزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ (متفق عليه).
فأنزل حاجتك به، واشك إليه بثك وحزنك أسوة بيعقوب -عليه الصلاة والسلام-؛ حيث قال الله عنه: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون}؛ فكشف الله غمه، ورد عليه ابنه.
قال ابن القيم في الفوائد: "إذا كان كل خير أصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء، والافتقار، وصدق اللجأ، والرغبة والرهبة إليه؛ فمتى أعطى العبد هذا المفتاح؛ فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح؛ بقي باب الخير مرتجا دونه".
فاستعن بالله -عز وجل- على قضاء حوائجك بصدق اللجأ، والرغبة، والرهبة إليه، وأكثر من الاستغفار؛ فهو من أسباب الرزق، وفتح أبوابه؛ قال تعالى حكاية عن نوح: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا}.
ولا تنس أن تدعو الله بهذا الدعاء، وهو ما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله ﷺ ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟، قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله -عز وجل- همك، وقضى عنك دينك؟، قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله -عز وجل- همي، وقضى عني ديني.
وظاهر من سؤالك أنه قد دب إليك شيء من اليأس والقنوط من رحمة الله بسبب استعجالك استجابة الدعاء، وآفة التعجل في تحقيق مطلوبه من أعظم الآفات التي تعرض للداعي، وما يترتب عليها من الملل، والاستحسار، واليأس، والقنوط.
وقد حذر رسول الله ﷺ من هذا بقوله: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي (رواه البخاري ومسلم)، وبقوله: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء (رواه مسلم).
وختاما: أسأل الله أن يرزقك نفسا مطمئنة، وأن يفرج همك، اللهم آمين.