أوسوس في كل أمور الحياة ..فكيف الخلاص من هذه الوساوس؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من الوسواس القهري منذ نحو أربع سنوات، وأوسوس في كل أمور الحياة، ومنها وسواس الاغتصاب، ووساوس في أمور الدين، ووساوس تتعلق بالسيارة، إذ أخاف أن أكون قد دهست شخصا، وأعود إلى الخلف للتأكد.

كما أعاني من وسواس المرض، ووسواس أن أسب شخصا أو أضربه، ووسواس الردة، ووسواس سب الدين أو الرب، أو كراهية شيء من الدين، وتأتيني أفكار مزعجة، خصوصا أثناء الصلاة أو عند دخول المسجد.

وتأتيني وساوس تتعلق بقراءة القرآن في الحمام، أو إهانة القرآن، وأشعر بالخوف من كل شيء أفعله، وأخاف من أي كلمة أقولها؛ خشية الوقوع في الكفر.

وعندي مشكلة في الوضوء، إذ يستغرق كل وضوء نصف ساعة، ويستغرق غسل الجنابة ساعة كاملة، كما أعاني من وسواس فحص أي حائل يمكن أن يوجد، وأخاف من لمس مقابض الأبواب، ولا سيما أبواب الحمامات.

وأخاف من التبول خارج البيت؛ خوفا من أن يتطاير الرذاذ، أو تسقط نقاط البول على ملابسي، كما أخاف من الزواج؛ خشية أن تصدر مني كلمة كفرية فيفسخ العقد.

وأخاف من أكل اللحوم؛ خشية أن يكون من ذبح الذبيحة مرتدا، حتى إنني كنت أريد الذهاب إلى العمرة مع أصدقائي، لكنني لم أستطع؛ لأنني مصاب بالوسواس، مع أنني حاولت ألا أستجيب للوسواس، إلا أنني أنهار بسرعة.

شكرا لكم على الإجابة عن أسئلتي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب.

أولا: نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يصرف عنك شر هذه الوساوس وينجيك منها.

وثانيا: نحن نتفهم -أيها الحبيب- مدى المعاناة التي تعيشها بسبب هذه الوساوس، ولكننا في الوقت ذاته نبشرك بأن الشفاء منها سهل يسير -بإذن الله تعالى-، وأن التخلص منها أمر قريب إذا أخذت بالأسباب التي تعينك على التخلص منها، واستعنت بالله تعالى ولجأت إليه.

وهذه الأسباب التي تخلصك من الوساوس نوعان: أسباب روحية معنوية شرعية، وأسباب حسية مادية، ونحن هنا نحدثك أولا عن الأسباب الروحية المعنوية الشرعية؛ فهناك وصايا نبوية عظيمة أوصى بها النبي ﷺ من أصيب بشيء من الوساوس، فقد ذكر -عليه الصلاة والسلام- في الأحاديث ثلاث وصايا، وزاد العلماء وصية رابعة:

• الوصية الأولى: اللجوء إلى الله وطلب الحماية منه بالاستعاذة كلما داهمتك هذه الأفكار الوسواسية، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

• الوصية الثانية: الانصراف عنها وعدم الاشتغال بها؛ فلا تبال بها، ولا تعرها أي اهتمام، وحقرها، وانصرف عنها لتشتغل بأي شيء آخر عندما تداهمك؛ فطبيعة الإنسان أنه لا يمكن أن يشغل قلبه بشيئين في وقت واحد، كما قال الله في كتابه: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.

وهذه أفكار حقيرة في الحقيقة لا تستحق منك أي اعتناء أو أي اهتمام، فحاول أن تحتقرها وتنصرف عنها، وقد قال النبي ﷺ في هاتين الوصيتين موصيا من أصيب بشيء من الوسوسة: فليستعذ بالله ولينته؛ واعلم أن هذا الانتهاء وهو الانصراف عنها والاشتغال بغيرها هو الدواء القالع لهذه الوساوس، فاصبر عليه ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

وكن على ثقة من أن هذه أفكار حقيرة لا تستحق منك أي اعتناء، بل الأمر العكسي هو الصحيح، وهو أن الله تعالى يرضى منك تمام الرضا أن تهجرها، وتتركها، وتشتغل بغيرها.

• الوصية الثالثة: التي أوصى بها النبي ﷺ من أصيب بالوساوس هي أن يكثر من ذكر الله؛ فقد قال في بعض الروايات: فليقل: آمنت بالله؛ فأكثر من ذكر الله تعالى، وتحصن بأذكار اليوم الموزعة خلال ساعات الليل والنهار، كأذكار الصباح، والمساء، والنوم، والاستيقاظ، وغير ذلك، وحافظ على طهارتك ما استطعت، وأكثر من قراءة القرآن، وحاول أن تشغل وقتك وذهنك.

فحاول أن تتصل وتتواصل بالصالحين من الشباب والرجال، فتكثر من التواصل معهم، وشغل نفسك ببرامج نافعة؛ فإن هذا الشغل سيصرف عنك الاشتغال بالوسوسة.

• الوصية الرابعة: التي يزيدها بعض العلماء معتمدين على آيات وأحاديث هي أن يشعر بالسرور والفرح عندما تداهمه الأفكار الوسواسية.

والدافع إلى هذا الفرح والسرور أن توقن تمام اليقين -أيها الحبيب- أن الشيطان لا يحاول التشويش إلا على القلب المؤمن؛ فإذا وجد في الإنسان خيرا ورغبة في الخير، حاول أن يشوش عليه، وأن يقطع عليه الطريق، وأن يوقعه في الحزن، كما قال الله: {إنما النجوىٰ من الشيطان ليحزن الذين آمنوا}.

فإذا تذكرت هذا المعنى، علمت أنك في خير كثير، وأن الشيطان لم يحاول جرك إلى هذا المربع من الهم والحزن ونحو ذلك إلا لما وجده في قلبك من الخير، وقد قال الرسول ﷺ لبعض الصحابة الذين جاؤوا إليه يشتكون وساوس في صدورهم يتعاظمون التكلم بها، قال: ذاك صريح الإيمان.

هذه -أيها الحبيب- هي الوصايا النبوية الشرعية في معالجة هذه الوساوس ومدافعتها، وسيصف لك الأطباء من الأدوية والتمارين ما يعينك أيضا على التخلص من هذه الوساوس، وهو جزء من القدر؛ فقد قال الرسول ﷺ: ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله. وقال في حديث آخر: تداووا عباد الله، وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "نفر من قدر الله إلى قدر الله".

فاستعن بالله -سبحانه وتعالى- ولا تعجز، واعلم أن الفرج قريب، وأن الشفاء قريب، وأن المطلوب منك أن تأخذ بالسبب، وسيوصلك الله تعالى إلى النتيجة التي تحبها وترضاها، وأننا سنسمع منك في مستقبل الأيام -بإذن الله تعالى- أخبارا سارة مفرحة.

أما ما ذكرته في هذا السؤال من مسائل الوسوسة في طهارة الأشياء؛ فاعلم أن هذا كله مما يجب عليك أن تعرض عنه تمام الإعراض؛ فالأصل في كل شيء الطهارة، فلا تحكم على شيء بالنجاسة؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى نتيقن يقينا جازما كتيقننا من وجود الشمس في النهار أنه قد أصابته نجاسة.

ومع ذلك، عندما نتيقن هذا اليقين، لا بد من سؤال أهل العلم في كيفية التعامل مع هذه النجاسة، وألا نخضع للوسوسة لتملي علينا تصرفات معينة ما أنزل الله بها من سلطان.

فلا تستجب أبدا لهذه الوساوس، ولا تمتنع عن شيء بسبب الوساوس؛ تزوج إذا قدرت على الزواج، واعتمر إذا قدرت على العمرة، وكل اللحوم، ولا تلتفت إلى ما يأتيك من وسواس أنها قد تكون ذبيحة مرتد أو غير ذلك.

وهكذا، حاول أن تعاند هذه الوساوس وتحقرها، وستجد أنك تشفى منها -باذن الله تعالى- قريبا.

نسأل الله تعالى أن يصرف عنك كل مكروه.
------------------------------------------
تمت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
------------------------------------------
نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر تواصلك معنا بهذا السؤال.

أخي الفاضل، واضح من سؤالك أن ما تعاني منه هو الوسواس القهري، أو أحيانا نسميها الأفكار والأعمال القهرية، وهي أفكار مزعجة تفرض نفسها عليك، تحاول أن تدفعها -كما ذكرت في سؤالك-، إلا أنها تلح عليك.

وهي تأتي عادة بعدة أشكال، ويبدو أن عندك كثيرا من هذه الأشكال: الوساوس الدينية، والشرعية، والتعبدية، وما له علاقة بإيذاء الآخرين أو الخوف من إيذاء الآخرين -كما تفعل وأنت في السيارة؛ تخشى أن تكون قد أصبت شخصا معينا-، وكذلك وساوس الطهارة، والنظافة، واللمس.

أخي الفاضل، تغلب الإصابة بهذه الأفكار القهرية في هذا السن الذي أنت فيه (في العشرين من العمر)؛ فهذا السن المعتاد في الغالب، وحينما لا يستطيع الشخص دفع هذه الأفكار، فهنا لا بد أن نأخذ بتوجيه النبي ﷺ حينما قال لنا معلما: تداووا عباد الله؛ وهذا التداوي كما أنه ينطبق على الأمراض البدنية، فإنه ينطبق أيضا على الأمراض النفسية، ومنها الوسواس القهري.

لذلك -أخي الفاضل- أدعوك ألا تتأخر في أخذ موعد مع العيادة النفسية؛ ليقوم الطبيب النفسي بتأكيد التشخيص، ومن ثم وضع الخطه العلاجية؛ فهناك العلاج الدوائي بأحد الأدوية المضادة للوسواس القهري، وهي نفسها مضادة للاكتئاب؛ مما يمكن أن يحسن المزاج أيضا، وهناك أيضا العلاج المعرفي السلوكي عن طريق جلسات للتعرف على جذور الأفكار المرافقة لهذه الوساوس القهرية، وأحيانا نستعمل الدواء مع الجلسات العلاجية.

أخي الفاضل، أرجو ألا تتأخر أو تتردد أو تتخوف من زيارة العيادة النفسية؛ فعلاج الوسواس القهري ممكن بأحد هذه الأدوية أو هذه الجلسات، فأرجو ألا تتأخر؛ لأن الواضح من سؤالك أن هذه الأفكار الوسواسية أخذت تؤثر على جوانب كثيرة من حياتك.

أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مواد ذات صلة

الاستشارات