السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو منكم التفضل بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تشغلني، وجزاكم الله خيرا.
أنا فتاة مسلمة، وأسرتي مسلمة -ولله الحمد-، أحرص على الالتزام بديني، وأسعى إلى إصلاح نفسي والثبات على الطاعة، وأرتدي النقاب، وأخشى كثيرا من الفتن، ومن أن أتأثر بالمحيط من حولي، أو أقع في معاص تضر بديني وآخرتي.
أولا: لدي أخت كانت مسلمة، ثم أصبحت ملحدة، وهي الآن لا تؤمن بالإسلام، فهل يجب علي شرعا أن أقطع علاقتي بها وأهجرها بسبب إلحادها، أم يجوز لي أن أبقي على صلة الرحم والعلاقة الأخوية معها، مع إنكاري لعقيدتها وعدم موافقتي عليها؟
وهل يختلف الحكم إذا كانت لا تدعوني إلى الإلحاد، ولا تحاول إفساد ديني؟
ثانيا: لدي أخوات كن في السابق أكثر التزاما بالحجاب الشرعي، فإحداهن كانت محجبة حجابا شرعيا، وأخرى كانت منتقبة، ثم تغير حالهن، وأصبحن يلبسن الحجاب الذي يغطي الشعر فقط، مع لبس البنطال أو الملابس القصيرة أو الضيقة، ونحو ذلك.
وهذا الأمر يؤثر في نفسي، ويجعلني أخشى أن أتأثر بهن مع مرور الوقت، فما واجبي تجاههن؟ وهل يجب علي إنكار ذلك عليهن؟ وما حدود الإنكار والنصيحة بين الأخوات؟
ثالثا: أخشى على ديني بشدة، وأخشى أن أتأثر بالمحيط من حولي، أو أن أضعف أمام المعاصي، أو أقع في ذنوب تكون سببا في دخولي النار، وأحيانا من شدة خوفي من المستقبل ومن فقدان ديني، أتمنى الموت قبل أن أفتن في ديني، أو أتغير عن التزامي.
فما حكم تمني الموت في هذه الحالة؟ وهل يجوز للإنسان أن يتمنى الموت خوفا من الفتنة في الدين، أو خشية أن يضل بعد الاستقامة، أم أن هذا غير جائز؟ وما المشروع بدلا منه؟
وأخيرا: هل خوفي الشديد من فقدان الإيمان، وحرصي على الثبات، أمر محمود شرعا، أم أن المبالغة في الخوف قد تكون مذمومة؟ وكيف أوازن بين الخوف من الله والحرص على الطاعة، وبين عدم اليأس أو القنوط من رحمته؟
أرجو أن تكون الإجابة مفصلة قدر الإمكان، مع ذكر الأدلة من القرآن والسنة، وأقوال أهل العلم، وبيان ما يجب علي فعله عمليا في التعامل مع أسرتي والمحافظة على ديني.
جزاكم الله خيرا، ونفع بكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سلمى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.
أختي الفاضلة، نسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد، وأن يثبتنا وإياك على الدين حتى نلقاه، وقد قرأت سؤالك كلمة كلمة، وهو يشتمل على فقرات عديدة، وسنجيب عنها بحسب الترتيب الذي أوردته في سؤالك:
• أولا: بالنسبة إلى أختك الملحدة -نسأل الله أن يهديها ويردها إلى الحق ردا جميلا-: لا يجب عليك قطع رحمها لمجرد إلحادها، فالأصل هو بقاء الصلة، وقد أمرنا الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين الكافرين، كما قال سبحانه: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا}.
ولكن يجب عليك الحذر من مخالطتها إذا كانت هذه المخالطة تضر بدينك، أو كانت تدعوك إلى الإلحاد، وإذا جلست في مجلس وهي تستهزئ بالدين أو نحو ذلك، فالواجب عليك مفارقة هذا المجلس إن لم يكن في جلوسك مصلحة وفائدة، كتغيير المنكر. قال الله سبحانه وتعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتىٰ يخوضوا في حديث غيره}.
فأنت ينبغي أن تديري علاقتك بهذه الأخت بما تتحقق به المصلحة، فاحرصي على هدايتها ودعوتها بلين ورفق، لعل الله تعالى يهديها على يديك، فتفوزين بالثواب الكثير، وتكونين سببا في نجاتها من عذاب الله تعالى وسخطه.
• ثانيا: عن أخواتك المتغيرات في حجابهن: فما ذكرته من لبس الملابس الضيقة أو القصيرة غير الساترة، لا يجوز للمرأة أن تفعله أمام الرجال الأجانب، وعليك أن تبذلي لأخواتك النصح برفق ولين ورحمة ومحبة، وأن تكون نصيحتك لهن بالحكمة، بحسب استطاعتك، فهذا من التعاون على الخير، قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوىٰ}، وقال النبي ﷺ: الدين النصيحة.
ولكن لا تحولي كل لقاء معهن إلى مجلس للخصام والحديث عن هذه الأمور التي لا يردن سماع كلامك فيها، فحاولي أن تكون النصيحة بالقدر الذي يقبل، وأن تكون سرا، بلطف ورحمة وحكمة، مع تذكيرهن بلقاء الله تعالى وثوابه وعقابه.
وحاولي أن تستعيني بالمؤثرات التي قد تنفع في ذلك، كإسماعهن -ولو بطريقة غير مباشرة- بعض المواعظ، أو الاستعانة بمن له عندهن كلمة مقبولة من الأقارب.
• ثالثا: خوفك من التأثر بهن: فهذا أمر ينبغي ملاحظته ومراعاته، فالإنسان عليه أن يحفظ نفسه أولا، وأن يحذر من التأثر بمن حوله.
وقد أخبرنا الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة عن تأثر الإنسان بما حوله، حتى تأثره بالبهائم، فقال: السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر أي في أهل الإبل، فهذا تأثر بالحيوان، فكيف بتأثره بالإنسان؟ قال النبي ﷺ: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.
فحاولي أن تتعرفي إلى النساء الصالحات والفتيات الطيبات، وتكثري من التواصل معهن، وتجعليهن البيئة التي تعيشين فيها أوقاتك ونشاطاتك، حتى تكوني مؤثرة في أخواتك، وغير متأثرة بهن.
• رابعا: تمني الموت خوفا من الفتنة في الدين:
الأصل أن الإنسان المسلم لا يتمنى الموت؛ لأن طول العمر لا يزيد المؤمن إلا خيرا، فإن كان محسنا زاد في إحسانه، وإن كان مسيئا استعتب وتاب واستغفر.
ولكن إذا وجد الإنسان نفسه في ظرف يخاف فيه على دينه بالفعل، فتمنى الموت حتى يسلم له دينه، وحتى لا يقع في الفتنة، فهذا جائز، ومع ذلك لا ننصحك به، ولا ننصحك بالاستجابة لهذا النوع من الأفكار؛ لأنه ربما تتسلط عليك، فتنتقلين بها إلى درجة من الوسوسة.
فأحسني ظنك بالله، واسأليه أن يثبتك على الإسلام والإيمان، وأكثري من الأدعية النبوية الواردة في هذا الجانب، كقوله ﷺ: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، وقوله: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد.
• خامسا: الخوف من فقدان الإيمان والخوف من الله تعالى، والحرص على الثبات والخشية من سوء العاقبة، كل ذلك علامات خير إذا حصل لصاحبه، وبعثه على العمل الصالح والاستزادة منه، فإن ذلك علامة على كمال الإيمان.
وقد وصف الله المؤمنين في سورة المؤمنون بقوله: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}، أي يفعلون الأعمال الصالحة، ومع ذلك يصاحب عملهم خوف من الله تعالى، خوفا ألا يتقبل الله منهم، أو أن يكونوا قد قصروا في أعمالهم، أو نحو ذلك.
فالخوف إذا كان يدفع الإنسان إلى الزيادة في العمل الصالح، والإكثار من التوبة والاستغفار، فهو خوف مطلوب، أما إذا كان خوفا يوقع الإنسان في اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، وربما يؤدي به إلى ترك العمل الصالح، فهذا خوف مرفوض، وهو من إيحاءات الشيطان التي ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله تعالى من شرها.
نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.