تبت منذ مدة طويلة وأحافظ على فرائضي لكن ظروفي لا تتحسن، فما السبب؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا مهتم جدا بموضوع القلب السليم، رغم أنني أعلم أن في قلبي خيرا كثيرا، إلا أن هناك بعض الأمور التي تخيفني وتثير قلقي. كنت أعصي الله كثيرا، ولا سيما في العلاقات مع النساء قبل الزواج وبعده -والعياذ بالله-، وكان ذلك قبل أربعة عشر عاما، لكنني تبت توبة نصوحا -والحمد لله-، ولم أعد إلى ذلك أبدا بفضل الله.

ومع ذلك، أشعر أحيانا بأن الله لم يتقبل توبتي، أو أنه يعاقبني على ذلك الذنب، فقد انفصلت عن زوجتي منذ فترة، وأحتاج إلى الزواج، لكنني لم أوفق إليه بالحلال، وهذا يسبب لي مشكلة في ممارسة حياتي بصورة طبيعية؛ لأنني بطبيعتي أحتاج إلى الزواج، وقد سعيت إليه كثيرا، ولكن دون توفيق.

وقد يكون ذلك بسبب سني، إذ أبلغ من العمر أربعة وستين عاما، أو بسبب وجودي في الغربة، مما يجعل فرصة الزواج والتوفيق إليه صعبة. وكثيرا ما يخطر في قلبي أن حرماني من الزواج، رغم حاجتي إليه وسعيي في الحلال، قد يكون عقابا من الله على ما مضى، وأتساءل: لماذا لم يتجاوز الله عن هذه المعصية رغم توبتي؟

كما أن معظم أموري ليست على ما يرام، فأنا دائما في ضائقة مالية، ولا أستطيع أن أعيش في بحبوحة من العيش، رغم أنني لا أقصر في العمل بأي صورة من الصور. فمعظم الأماكن التي أعمل فيها تكون في البداية جيدة وسمعتها ممتازة، ثم تتغير ظروفها، ويقل العمل فيها، أو تتأخر الرواتب أو تخفض بسبب الظروف، فأجد نفسي غير قادر على الوفاء بالتزاماتي، ولا سيما تجاه أولادي، مما يسبب لي الحرج.

وكثيرا ما أنظر إلى من يعيشون في استقرار وانتظام في العمل والأمور المالية بشيء من الغيرة، كحال جميع البشر، ثم يخطر في قلبي أن ما أعانيه عقاب من الله لي رغم توبتي، وهذا ما يجعلني أشعر بأن قلبي ليس على ما يرام.

أرجو الإفادة، علما بأنني لا أترك فرضا من فروض الدين، سواء الصلاة أو الصيام أو الصدقة بقدر استطاعتي، كما أنني أديت الحج والعمرة أكثر من مرة -والحمد لله-، ولا أترك الذكر والدعاء، ولكن ظروفي لا تتحسن.

فهل تفكيري بهذه الطريقة دليل على عدم سلامة القلب؟

والله الموفق والمستعان، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صفوت حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الكريم- في موقعك استشارات إسلام ويب، ونشكرك على ثقتك وتواصلك معنا، ونسأل الله أن يتقبل توبتك، ويغفر ذنبك، ويشرح صدرك، ويطمئن قلبك، ويرزقك زوجة صالحة ورزقا واسعا حلالا، ويقدر لك الخير حيث كان، ويرضيك به.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تخشى ألا تكون توبتك مقبولة، وأن ما تمر به من فراق زوجتك وضيق في الرزق قد يكون عقوبة على ذنب مضى عليه أربعة عشر عاما، ثم تبت منه توبة نصوحا، وهذا شعور مؤلم، خصوصا أنك تجاهد نفسك منذ سنوات، وتبحث في أحداث حياتك عن دليل يطمئنك إلى قبول توبتك.

ونحييك على صراحتك في عرض ما يجول في خاطرك، فهذا يدل على قلب حي يبحث عن الطمأنينة، لا عن مبرر لليأس.

أولا: قبول التوبة والابتلاء:

اعلم -أخي الكريم- أن الله تعالى فتح باب التوبة لعباده، ووعد التائبين بالمغفرة، فقال سبحانه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم}، وقال النبي ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

فإذا صدقت توبتك، واستوفت شروطها من الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، فإن الأصل أن تحسن الظن بربك، وألا تجعل ما ينزل بك من ابتلاء دليلا على رد توبتك؛ فالتوبة تمحو الذنب، لكنها لا تعني أن حياة صاحبها ستخلو من الاختبارات.

وقد يكون البلاء رفعا للدرجات، أو تكفيرا للسيئات، أو لحكمة لا يعلمها العبد، وليس لازما أن يكون عقوبة، فالأنبياء والصالحون من أشد الناس ابتلاء، وقد قال النبي ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

وتأمل قصة كعب بن مالك -رضي الله عنه-، فقد صدق مع الله، ومع ذلك مر بمرحلة شديدة من الابتلاء قبل أن يأتيه الفرج، فكان ما نزل به تربية وتمحيصا ورفعة، ولم يكن دليلا على رد توبته، ولذلك فلا تجعل تأخر الزواج أو ضيق الرزق حكما قاطعا بأن الله يعاقبك على ذنبك القديم.

ثانيا: سلامة القلب والخواطر المقلقة:

أما ما يتعلق بخوفك من عدم سلامة قلبك بسبب هذه الخواطر، فاعلم أن مجرد ورودها لا يدل على فساد القلب، وإنما العبرة بموقفك منها، ومدى استجابتك لها أو مقاومتك إياها، وقد سأل الصحابة -رضي الله عنهم- النبي ﷺ عن وساوس يجدونها في صدورهم، فقال: ذاك صريح الإيمان.

فانزعاجك من هذه الأفكار، وحرصك على طردها، وتمسكك بالصلاة والصيام والصدقة والذكر والدعاء، كلها علامات خير، وليست دليلا على موت القلب، ولو كان قلبك مستسلما للبعد عن الله، لما حملك هذا الهم على السؤال والبحث عن الطمأنينة.

وعندما يخطر ببالك أن ما تمر به عقوبة حتمية، فذكر نفسك بأن هذا مجرد احتمال لا دليل عليه، وأن الله تعالى أرحم بك من نفسك، ثم أقبل على العمل النافع بدل الاسترسال في تحليل كل مصيبة وربطها بذنب قديم.

ثالثا: الزواج وضيق الرزق:

فيما يخص حاجتك إلى الزواج، فاعلم أن هذه حاجة فطرية لا حرج في الشعور بها أو الإفصاح عنها، والسن والغربة قد يضيقان دائرة الخيارات، لكنهما لا يغلقان باب الأمل، فوسع دائرة البحث عن طريق الأقارب والمعارف وأهل الثقة، واستعن بمن يعرف ظروفك من أهل العلم أو الصالحين، وأكثر من الدعاء، ولا سيما في أوقات الإجابة، كالثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة.

أما ضيق الرزق، فليس مقياسا لمكانة العبد عند ربه، فقد يبتلى الصالح بالسعة كما يبتلى بالضيق، وقد قال النبي ﷺ: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له.

فاستمر في السعي، وابحث عن فرص عمل أكثر استقرارا، واستعن بأهل الخبرة في تطوير مهاراتك وتوسيع خياراتك، وادع الله تعالى بقولك: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، مع اليقين بأن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل.

وأما شعورك بالغيرة حين ترى من يعيشون في استقرار مالي، فهو شعور بشري لا يؤاخذ عليه الإنسان ما لم يتحول إلى تمني زوال النعمة عنهم، فحوله إلى غبطة (أي أن تتمنى مثل ما عندهم، دون أن تتمنى زوال ما بأيديهم)، واسأل الله من فضله، وذكر نفسك بأن الأرزاق مقسومة بحكمة، وأن المال ليس معيار محبة الله أو رضاه.

وإذا استمر هذا الشعور في التأثير في نومك أو مزاجك أو حياتك اليومية، فلا حرج في استشارة شيخ موثوق يطمئنك، أو مختص نفسي يساعدك على التعامل مع القلق والأفكار المتكررة، فطلب العون من الأسباب المشروعة.

أخي الكريم، أحسن الظن بالله، ولا تجعل البلاء دليلا على رفض التوبة أو بغض الله لك، بل استمر في طاعته، واسع في طلب الرزق والزواج، واترك الحكم على الغيب لله تعالى.

نسأل الله أن يتقبل توبتك، ويغفر ذنبك، وييسر لك زوجة صالحة، ويرزقك رزقا واسعا حلالا، ويشرح صدرك، ويملأ قلبك طمأنينة، ويهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات