السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوجة منذ خمس وعشرين سنة، ولدي أربع بنات، وقد تعبت كثيرا في تربيتهن، اثنتان منهن أكملتا دراستهما -والحمد لله-، وهما محجبتان، ولكن ليس بالحجاب الشرعي.
أما إحداهن، وهي ابنتي الوسطى، فعلى الرغم من تفوقها في دراستها، وعملها الآن، فإنها شديدة المشاكسة والعناد، وترفع صوتها علي وعلى أبيها، وتبرر ذلك بأننا نفرق بينها وبين أخواتها.
وفي الآونة الأخيرة، غضب زوجي منها كثيرا، وقال لي: أتمنى لها الموت، وأنا أكرهها، كما حملني مسؤولية عقوقها لنا، فانكسرت وحزنت كثيرا، وهجرته، ووضعت شرطا لإصلاحها وإعادة تربيتها حتى نعود كما كنا.
فكلما رأيته أتذكر كلامه الجارح، مع أنني لم أقصر في تربية البنات، ووددت لو ساعدني في تربيتهن والقيام بمسؤوليته، بدلا من إلقاء اللوم علي.
أرجو أن تكون رسالتي واضحة، وأن تنصحوني، وهل ما فعلته حرام؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Mariameriouma حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة وأختنا الكريمة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يصلح هذه الفتاة، وأن يردها إلى الحق ردا جميلا، وأن يرزقها بر والديها، وأن يعينكم على التعامل مع الأبناء، ونسأل الله -تبارك وتعالى- لنا ولكم الهداية والتوفيق، ونسأله -تبارك وتعالى- أن يقر أعيننا بصلاح أبنائنا والبنات.
لا شك أن الأب مخطئ في نسبة الخلل والنقص لك؛ لأن التربية مسؤولية مشتركة، والإنسان ليس مسؤولا عن الهداية، لكنه مسؤول عن بذل الأسباب؛ قال الله لأعظم داعية وأعظم من هدى الله به الناس: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}، وقال له في الآية الأخرى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.
فدور الرسل ودور المربين والموجهين هو هداية الدلالة: "يا بنتي هذا غلط، يا بنتي هذا صحيح، يا بنتي افعلي هذا"، هذا هو دورنا، لكن الهداية (هداية التوفيق) هي من الله تبارك وتعالى، ولذلك نحن لا نلام على قصورنا، لكن نلام على تقصيرنا.
والفتاة لا يمكن أن تصلح وتسعد إلا إذا قام الأب والأم بالتعاون على تربيتها وفق خطة مرتبة؛ ولذلك دوره في التربية كبير، وكذلك دوره في الإصلاح والتصحيح كبير، بل الفتاة دائما تتأثر بوالدها في هذا العمر المذكور؛ فالفتاة هي بنت أبيها كما ترد عند العرب دائما: "جاءت فاطمة بنت رسول الله، لا تخطئ مشية أبيها، وكانت أشبه الناس بأبيها"، وقالوا عن عائشة: "إنها بنت أبي بكر"، و"كانت حفصة أشبه الناس بعمر"، إلى غير ذلك من الكلام الذي يدل على دور الأب في إصلاح بناته، كما له دور كبير في إصلاح أبنائه، ومعلوم أن البنات في مرحلة المراهقة تكون البنت قريبة من والدها، فهو مسؤول عن القيام والمشاركة في تربيتها.
وإذا كان قد قال هذا الكلام الذي أغضبك وأحزنك، فمن حقك أن تغضبي، لكن نرجو ألا توسعي دائرة الغضب؛ فتقابلي خطأه بخطأ، وتتعقد المسألة، ولذلك نتمنى أن تعود الأمور إلى وضعها الصحيح، وتحاوري زوجك بمنتهى الهدوء، ولا مانع من أن يقرأ ما كتبناه؛ من أن له دورا كبيرا جدا في التربية وفي الإصلاح.
إذا كان قد قصر في الماضي فعليه أن يستغفر ويتدارك الآن، وعليكم أن تعدلوا بين أولادكم؛ لا بد أن يشيع العدل؛ لأن شعور هذه الفتاة أيضا بعدم العدل هذا إشكال؛ قد تكون صادقة في شعورها وقد تكون تلك تخيلات، لكن في كل الأحوال لا بد أن نبين لأبنائنا أنهم عندنا كأسنان المشط، وأننا نعاملهم معاملة متساوية.
قد يقول قائل: "من البنات من تسمع كلامنا ومنهن من تعاند"، ومع ذلك: في كلا الأحوال يستحقون العدل لكونهن بنات ولكونهن أبناء، وبعد ذلك التي تقصر يمكن أن نسائلها عن تقصيرها، لكن ما ينبغي أن نشعرها أن إخوانها أو أخواتها أفضل منها، هذا من المعاني المهمة، ولذلك قال عمر لأحد أولاده سرا: "إنك لأحب ولدي إلي، ولكني ما أستطيع أن أفضلك عليهم بتمرة".
فلا بد أن نعدل في الإقبال عليهم، وفي الاهتمام بهم، وفي الكلام معهم، وفي القرب منهم؛ هذا كله يستحقون فيه العدل، ويستحقون فيه القبول، ويستحقون الحب.
هذه كلها معان لا بد أن يشعر الأبناء وتشعر البنات أيضا بأنهن متساويات في هذه الأمور من خلال تعامل الأب والأم معهن، هذا من المعاني المهمة؛ لأن النبي ﷺ قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.
ونحن إذ نشكر لك الاجتهاد في التربية والقيام بدورك، بل نشكر لك التواصل مع موقع شرعي؛ ندعوك إلى ألا تستمري في هجر الزوج وفي قطيعته، بل تعود الأمور إلى وضعها، وبعد ذلك اطلبي منه أن يتواصل مع الموقع، أو ذكريه بمنتهى الهدوء أن هذه مسؤولية مشتركة، وأن الإنسان عليه أن يفعل ما عليه، وأن الله -تبارك وتعالى- سيسألك كما سيسألني: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية ومسئولة عن رعيتها.
عليه أن يتحمل دوره وتتعاونوا جميعا في التعامل مع هذه الفتاة؛ وذلك أكبر الأسباب لعودتها عندما تشعر أن الخطوة موحدة، وأنها وجدت مكانها، وأقبلتم عليها كما تقبلون على أخواتها؛ هذا مما يعينها على العودة إلى الخير والصواب، ونسأل الله أن يؤلف القلوب وأن يغفر الزلات والذنوب.