كيف أستخير الله وأنا متردد بين عدة تخصصات جامعية؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب متخرج من الثانوية، وحاصل على درجات عالية ولله الحمد، ولكن بعد تخرجي، وبسبب أنني أول فرد في عائلتي يتخرج، وبسبب الصعوبات المالية، توقفت عن الدراسة مدة سنتين.

وخلال هاتين السنتين فعلت كل ما أستطيع للدخول إلى الجامعة، والحمد لله أنا حاليا في الجامعة، ولكنني أشعر بحيرة شديدة في اختيار تخصصي الجامعي.

حاولت أن أستشير من أعرف، كما استشرت أهلي، ولكن هذا زاد حيرتي أكثر، والتجأت إلى الله بالاستخارة، لكنني أعرف أن الاستخارة تكون في أمر واحد، بعد أن أعزم على فعله، وهذه الشروط لا تنطبق علي بالضرورة.

فأنا لست حائرا في تخصص واحد، بل هناك ثلاثة تخصصات على الأقل أنا حائر بينها، وقد حاولت القياس على الصعيد المهني والدراسي، فوجدت أن بعض التخصصات أحبها، ولكنني لست متأكدا من وجود وظائف لها، مثل تخصص المالية.

أما التخصص الثاني، وهو علم البيانات والذكاء الاصطناعي، فلا أفضل الدراسة فيه، ولكن من خلال استشارتي لأكثر من شخص وجدت أنه ممتاز من ناحية التوظيف وسوق العمل.

وهذا كله سيكون تحولا عن تخصصي الأصلي، وهو الهندسة الكهربائية، ولذلك أنا في حيرة شديدة، ولا أعلم كيف أستخير في أكثر من أمر، أو كيف أدعو الله في هذه الحالة!

وشكرا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد اللحام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي الكريم، حياك الله، وشرح صدرك، ووفقك لما فيه الخير في دينك ودنياك، فمن جميل ما ظهر في رسالتك وسؤالك أنك حريص على اختيار تخصصك الجامعي بعناية، وتريد أن تجمع بين ميولك الشخصية ومستقبلك الوظيفي؛ وهذا يدل على وعي ومسؤولية، خصوصا أنك بذلت جهدا كبيرا حتى وصلت إلى الجامعة رغم الصعوبات المالية، فأسأل الله تعالى أن يبارك لك في مسيرتك.

واعلم -أخي الكريم- أن الحيرة التي تعيشها أمر طبيعي، ولا سيما أنك أمام ثلاثة خيارات، وكل واحد منها يحمل جانبا من الجاذبية أو المصلحة، غير أن حرصك على الوصول إلى القرار المثالي قد يكون سببا في زيادة ترددك؛ إذ تبحث عن تخصص تضمن من خلاله حبك للدراسة، والتفوق فيها، والحصول على وظيفة مستقبلا، وهذه أمور لا يمكن لأحد أن يضمن اجتماعها بصورة كاملة.

وأما الاستخارة؛ فليست محصورة في أن يكون أمامك خيار واحد منذ البداية، وإنما تكون بعد بذل الوسع في التفكير والمقارنة، فإذا ترجح لك أحد الخيارات استخرت الله تعالى في الإقدام عليه؛ وقد قال النبي ﷺ لجابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن.

فلا يلزمك أن تستخير بين التخصصات الثلاثة دفعة واحدة، بل ادرسها أولا، ثم إذا غلب على ظنك أن أحدها أنسب لك، فصل الاستخارة بشأنه، وامض فيما ترجح لديك، متوكلا على الله تعالى، ولا تنتظر بالضرورة رؤيا أو شعورا مفاجئا بالراحة؛ فالاستخارة دعاء واستعانة بالله تعالى، وليست وسيلة لمعرفة الغيب.

أخي العزيز، لا تجعل كثرة الآراء سببا في ضياع بصيرتك؛ فمن الطبيعي أن ينصحك بعض من استشرتهم بعلم البيانات والذكاء الاصطناعي لما يرونه من فرص وظيفية، بينما يميل آخرون إلى الهندسة الكهربائية أو المالية، وكل واحد منهم ينظر إلى الأمر من زاوية تجربته ومعرفته.

ولذلك المطلوب منك ألا تكتفي بسؤال الناس: أي تخصص أفضل؟، بل اسأل نفسك: أي تخصص أنسب لقدراتي وميولي وظروفي وأهدافي؟.

قال الله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}، فقد تميل إلى تخصص؛ لأنك تتصور أنه ممتع، أو تنفر من آخر؛ لأنك تظنه صعبا، بينما تكون المصلحة في غير ما تتوقع، وفي المقابل، لا يصح أن تختار تخصصا لا تميل إلى طبيعته لمجرد أن الناس أخبروك أن فرصه الوظيفية جيدة؛ فالميول والقدرات عنصران مهمان في الاستمرار والنجاح.

وهنا أنصحك أن تمنح نفسك فترة محدودة للمقارنة والتجربة، بدلا من الاستمرار في الحيرة دون نهاية، وذلك من خلال الخطوات الآتية:

• اطلع على الخطة الدراسية لكل تخصص، وتعرف إلى مواده وطبيعة الدراسة فيه، واسأل طلابا متقدمين وخريجين يعملون في مجاله.

• جرب مشروعا بسيطا في كل مجال؛ كتحليل مالي باستخدام الإكسل، أو مشروع إلكترونيات بسيط في الهندسة الكهربائية، حتى تتعرف على طبيعة العمل لا إلى اسم التخصص فقط.

• قيم كل تخصص من حيث ميولك إليه، وقدرتك على النجاح فيه، وفرصه الوظيفية الواقعية في بلدك، وإمكانية التطور فيه مستقبلا.

• استشر مرشدا أكاديميا موثوقا في جامعتك، ممن يعرف شروط التحويل والخطط الدراسية والفرص المهنية، بدلا من الاعتماد على آراء عامة متفرقة.

• لا تستبعد الهندسة الكهربائية لمجرد أنك تفكر في التحويل؛ فقد تجد فيها مسارات تجمع بين الهندسة والبرمجة والأنظمة الذكية، بحسب ما توفره جامعتك.

وتذكر أن الوظيفة لا يحددها اسم التخصص وحده، بل تسهم فيها المهارات، والتدريب، والمشروعات، والخبرة العملية، والقدرة على تطوير النفس، كما أن سوق العمل يتغير، فلا تجعل توقعات الناس وحدها أساس قرارك، ولا تطلب ضمانا كاملا لمستقبلك؛ فهذا أمر لا يملكه أحد.

ثم حدد لنفسك موعدا لاتخاذ القرار بعد جمع المعلومات والتجربة، فإذا ترجح لك أحد التخصصات، فاستخر الله تعالى، واستشر أهل الخبرة، ثم اعزم وتوكل، ولا تجعل الخوف من الخطأ يحرمك من التقدم.

واعلم -أخي الكريم- أن توقفك عن الدراسة عامين بسبب الظروف المالية لم يكن نهاية الطريق، بل إن وصولك إلى الجامعة بعد ذلك دليل على صبرك وعزيمتك؛ فلا تجعل الحيرة الحالية تنسيك ما حققته من إنجاز، ولا تظن أن مستقبلك يتوقف على اختيار مثالي لا يحتمل الخطأ؛ فكم من إنسان بدأ في تخصص، ثم اكتسب مهارات جديدة، وفتح الله تعالى له أبوابا لم تكن في حسابه.

قال النبي ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فاحرص على ما ينفعك، واستعن بالله تعالى، وخذ بالأسباب، ثم ارض بما يقدره لك، واجعل نجاحك مرتبطا ببذل جهدك وتطوير نفسك، لا بمجرد اسم التخصص.

أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويزيل حيرتك، ويدلك على التخصص الذي يناسب قدراتك وميولك، وأن يبارك لك في علمك ووقتك، ويفتح لك أبواب الرزق والتوفيق، ويجعل مستقبلك خيرا مما تتمنى، وينفع بك أهلك ومجتمعك.

مواد ذات صلة

الاستشارات