السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في هذه الفترة تزوجت أختي -والحمد لله- وقد تعبت من الضيوف والمسؤوليات، ومررت ببعض المواقف المحرجة.
ومن هذه المواقف: أننا بعدما أوصلنا أختي وزوجها إلى مكان الشقة، جلست بعض النساء معها لالتقاط الصور، ثم جلس أبي معها، ثم جلست أنا أيضا، بينما كان الناس ينتظروننا حتى نعود إلى بيوتنا.
ودخل رجل عزيز علي جدا، اسمه الشيخ أحمد، وقال لي، وأنا جالس بجوار أختي، وبصوت مرتفع، ما معناه: ماذا تفعل هنا؟، وكأنني أفعل شيئا خاطئا، أو لأنه كانت هناك نساء في الغرفة يلتقطن الصور، أو لكثرة انتظار الناس لنا.
فشعرت بالحرج والحزن، ولا سيما أنه كان واقفا بجواره شخص أعز علي منه، ثم كرر الشيخ الكلام نفسه؛ مما زاد حزني جدا، خشية أن يساء بي الظن، خصوصا عند الشيخ وعند الشخص العزيز علي.
كما أحزنني أسلوبه، ولا سيما أنه صدر أمام شخص من أعز الناس علي، مع أن الناس -والحمد لله- يعرفون عني الخير، وينادونني بالشيخ، والله المستعان.
أعلم أن الأمر يبدو تافها، لكنه كبير جدا بالنسبة إلي، وقد نكد علي وضاق به صدري، فكيف أخفف عن نفسي؟
أرجو المساعدة، جزاكم الله خيرا، وأسأل الله الفرج لي ولكل معسر.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بنا، وجزاك الله خيرا على صدقك في وصف ما بداخلك، فمثل هذه المواقف قد تبدو في ظاهرها بسيطة، ولكن وقعها على النفس الحساسة الواعية بمكانتها بين الناس يكون كبيرا، ولا سيما حين تصدر ممن نحبهم ونجلهم، وأمام من هو عزيز علينا، فالجرح الذي يأتي من قريب أعمق أثرا من الذي يأتي من بعيد.
وما تشعر به من حرج وحزن وضيق صدر أمر مفهوم تماما، ولا نراه تافها كما وصفته أنت، فالنفس البشرية لا تقاس مشاعرها بحجم الموقف الظاهر، بل بما يحمله من دلالة عند صاحبها.
وأنت هنا كنت متعبا أصلا من مسؤوليات مناسبة أختك، ومن استقبال الضيوف وتكرار المجاملات، فجاء هذا الموقف ليزيد العبء على قلب منهك أصلا، فلا غرابة أن يترك أثرا يفوق حجمه الحقيقي.
وهذه المسألة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين تعينانك على تهدئة نفسك:
• الأولى: أن الشيخ أحمد -حفظه الله-، وهو رجل تحبه وتقدره، لم يكن غالبا يقصد اتهامك بشيء، وإنما خرجت كلمته في لحظة انشغال وانتظار طويل، وربما ضاق صدره من طول المكوث والزحام، فعبر بأسلوب لم يوفق فيه، وهذا يحدث من أطيب الناس حين يجتمع عليهم التعب والانتظار، فمن حسن الظن به أن تحمل كلامه على أنه سقطة لسان في لحظة ضيق، لا حكما على نيتك أو فعلك.
• الثانية: أنه حتى لو أساء أحد الظن بك للحظة، فإن الله -عز وجل- هو الشاهد الحق على قلبك ونيتك، وهو وحده يعلم أنك كنت جالسا بجوار أختك في مناسبتها دون أي محذور، وكفى بالله شهيدا، يقول الله -عز وجل-: {وكفى بالله شهيدا}، فرضا الله عنك أثبت وأبقى من رضا الناس.
وسمعتك الحقيقية عند الله لا تهدم بكلمة عابرة قيلت في لحظة انفعال، فلا تجعل هذه الكلمة أقوى من سنوات من العمل الطيب وحسن السيرة، واعلم -أخي الكريم- أن الابتلاء بألسنة الناس، حتى الأقربين منهم، سنة ماضية مع الصالحين قبلك.
وقد يبتلي الله من يحب بمثل هذه المواقف؛ ليمحص القلب، ويعلمه أن يتعلق برضاه -سبحانه-، لا بنظرة الخلق، يقول الله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ۗ وبشر الصابرين}.
وموقفك هذا من نقص الأنفس الذي يشمل ما يصيب القلب من أذى، والصبر عليه محسوب لك عند الله -بإذنه-، فلا تنظر إليه على أنه إهانة تهدمك، بل ابتلاء يمكنك أن تتجاوزه بحسن الظن والصبر.
وقد كان النبي ﷺ يساء إليه أحيانا في المعاملة من غير قصد إساءة حقيقية، ومن ذلك أن أعرابيا جذب رداءه ﷺ جذبة شديدة حتى أثرت في عنقه الشريف، فلم يقابله بغلظة، بل تبسم وأعطاه.
فتأمل كيف تعامل النبي الكريم مع موقف فيه فظاظة ظاهرة، ولم يدعه يوغر صدره، وفي الحديث الشريف: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
وأنت مطالب هنا بأن تملك قلبك عند الحزن، كما يطلب من غيرك أن يملك نفسه عند الغضب، فلا تجعل لحظة واحدة تهدم في نفسك ما بناه الله لك من سمعة طيبة عند الناس على مدى سنوات.
ومن الأمور التي ستعينك على تجاوز هذا الأثر -بإذن الله-: أن تلجأ إلى الله بالدعاء والاستغفار كلما عاد إليك هذا الشعور، فإفراغ القلب بين يدي الله من أعظم أسباب السكينة.
ثم إن وجدت في نفسك حاجة إلى إزالة أي أثر بينك وبين الشيخ أحمد، فلا حرج أن تجلس معه في وقت هادئ بعيدا عن الناس، وتوضح له بأسلوب لطيف أنك تأثرت من طريقة كلامه أمام الآخرين.
وهذا من باب رفع اللبس وصون المودة، والأخ الصادق يتقبل مثل هذا التوضيح بصدر رحب، وقد يعتذر لك حين يدرك أثر كلمته عليك، وعندها ينتهي الأمر بإذن الله.
وإلى جانب ذلك، حاول ألا تسترسل مع الأفكار التي تقول لك: ماذا ظن بك فلان أو فلان؟، فهذا من وساوس الشيطان الذي يريد أن يشغلك بظنون الناس عن طمأنينة قلبك.
وأشغل نفسك بدلا من ذلك بذكر الله، وبما يعرفه عنك أقرب الناس إليك من صدق وخير، فشهادة من عاشروك سنوات لا تنقضها كلمة قيلت في دقيقة واحدة.
تذكر -أخي الكريم- أن هذا الموقف، مهما ثقل على قلبك اليوم، فهو زائل -بإذن الله-، وأن الأيام كفيلة بأن تنسيك حزنه، وتبقي لك طيب أثرك عند من يعرفونك، وقد قيل:
ولا تجزع لحادثة الليالي *** فما لحوادث الدنيا بقاء
فابدأ من اليوم بخطوة صغيرة نحو تهدئة قلبك، سواء بالدعاء أو بالتوضيح لمن أحببت، وستجد أن ما ضاق به صدرك سينفرج شيئا فشيئا -بإذن الله-.
فإن استمر معك هذا الشعور بثقل واضح فترة طويلة، رغم هذه الخطوات، فلا بأس أن تشارك ما بداخلك مع شخص تثق به من أهل العلم أو من المختصين في الإرشاد النفسي، فطلب العون في مثل هذه الأحوال من كمال العقل، لا من نقصانه.
نسأل الله أن يذهب عنك الهم والحزن، ويشرح صدرك، ويجعل ما أصابك خالصا لوجهه، رافعا لدرجتك، ويحفظ لك الشيخ أحمد ومن حولك من أهلك وأحبابك، ونسأله -سبحانه- أن يجعلك ممن عرفوا بالخير وثبتوا عليه ظاهرا وباطنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.