السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذ صغري، ربتني أمي على الغش، فكلما أخبرتني بشيء أو وعدتني به، كانت تعرف أنها لن تحققه لي، سواء كان الأمر بسيطا أو كبيرا.
حتى في المدرسة، عندما كان يعقد اجتماع لأولياء الأمور، كانت تقول لي: إنها تبرعت بشيء للمدرسة، ثم أكتشف أنها خدعتني، فتحرجني زميلاتي.
وفي فترة مراهقتي، تعرضت للسحر، وكان خالي هو من وضعه في المنزل، وبدأت تظهر علي أعراضه، لكن أمي أخفت الأمر، مع أنني كنت أعاني، وطلبت منها أن تتحدث مع أبي؛ حتى أذهب إلى راق، لكنها رفضت.
وعندما عملت خارج البلاد، قلت لها إنني أريد العودة في الإجازة، فقالت لي: لماذا؟ وفري مالك لأختك وأبناء أختك، وبعد ذلك طلبت أن أعود معهم إلى بلدي في العيد، لكنها قالت لي أيضا: اجلسي وساعدي أختك.
حتى عندما تقدم لي شخص، سألتها عما إذا كانت تعرفه أو تحدثت معه، وقلت لها إنه يريد خطبتي، لكنها أنكرت ذلك، ثم اكتشفت بعد ذلك أنهما كانا يخططان لهذا الأمر معا، فرفضت الخاطب؛ لأنهما كذبا علي.
عشت طفولتي ومراهقتي كلها، وأمي لا تجعلني أولوية لديها، فإذا حدثت أي مشكلة لأحد إخوتي أو لأحد أفراد العائلة، تفعل المستحيل لحلها، أما أنا فإذا مرضت تقول لي: اصبري، وحتى في موضوع السحر كانت تقول لي: احتسبي الأجر، ولم تأخذ بالأسباب، وفي إحدى المرات قرأت رسالتها إلى أخي، وكانت تقول فيها إنني سأحزن يومين ثم أرضى.
هذا الأمر أهلكني نفسيا، ولا أستطيع بر أمي، وكلما عاتبتها لأرتاح، قالت لي: إن الله سيحاسبك، وأنا أعاني من هذا الأمر، إضافة إلى السحر، ولا أحد يشعر بي، ومهما فعلت، فإن جميع أفراد عائلتي يتهمونني بالعقوق.
ففي هذه الحالة، أشعر بأنني لا أستطيع الاستمرار، ولا أستطيع العيش مع هذا الشعور، فهل يجوز لي الانتحار حتى أرتاح؟ لأن الألم يمزق صدري، ومهما فعلت لا أستطيع النسيان أو المسامحة، علما بأنني مسحورة.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ وئام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الأخت الفاضلة، جزاك الله خيرا على طلب الاستشارة، وحرصك على البحث عن حل لمعاناتك، ونقدر ما تحملته من ذكريات مؤلمة وتجارب ما زالت آثارها تؤلمك حتى بعد بلوغك الثالثة والثلاثين.
وقد يكون وصفك لوالدتك نابعا من شدة ما عشته وتراكم مشاعرك، بينما قد تكون هي من وجهة نظرها حريصة على مصلحتك، وإن لم يكن أسلوبها موفقا؛ فليس من الصواب أن نحمل كل تصرف مؤلم على معنى الكراهية أو تمني الضرر، والآن وقد انتهت مراحل التربية والتعليم؛ فلك أن تبري والدتك وتحسني إليها، مع وضع حدود هادئة تحفظ استقرارك النفسي؛ قال تعالى: {وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}.
أما ما يتعلق بالسحر؛ فهو ثابت في كتاب الله؛ قال تعالى: {وما يعلمان من أحد حتىٰ يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}، ولكن لا ينبغي أن نجعل السحر تفسيرا لكل ما مررت به، أو نجزم باتهام أحد دون بينة؛ ويمكنك الأخذ بالرقية الشرعية، والأصل أن يرقي الإنسان نفسه.
وما ذكرته عن خالك يحتاج إلى دليل واضح قبل الجزم به، كما أن موضوع الزواج قد لا تكون صورته كاملة لديك، وقرار الارتباط لا يكون بيد الأم وحدها؛ فلا تجعلي تجربة سابقة تحكم على مستقبلك كله.
ولكن أخطر ما ذكرته هو سؤالك عن الانتحار، وهنا ينبغي أن نتوقف؛ فنحن نصدق ألمك ولا نقلل منه، ولكن الانتحار ليس حلا لهذه المعاناة، وهو محرم شرعا؛ قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}.
الأخت الكريمة: يجب التنويه بأنه مع شدة ما تعانين؛ فأنت بحاجة الآن إلى من يساعدك على حمل هذا الألم، لا إلى إنهاء حياتك بسببه؛ وما زالت أمامك فرص كثيرة للحياة، والاستقرار، والنجاح بإذن الله، ولذلك أنصحك بمراجعة طبيب نفسي في أقرب وقت، ومصارحته بوضوح بكل ما تعانين منه، وبخاصة أفكار الانتحار؛ حتى يقيم حالتك ويقدم لك المساعدة المناسبة.
وضعي لنفسك خطة أمان واضحة: لا تبقي وحدك عند اشتداد الأفكار، وأخبري والدك أو شخصا تثقين به، وابتعدي عن أي وسيلة يمكن أن تؤذي بها نفسك، واطلبي من شخص قريب أن يبقى معك.
وإذا شعرت أن لديك الآن نية أو خطة لإيذاء نفسك؛ فلا تنتظري، بل توجهي فورا إلى أقرب قسم طوارئ، أو اطلبي المساعدة العاجلة من شخص قريب منك.
ولا تطالبي نفسك الآن بنسيان الماضي أو المسامحة الفورية؛ فيكفي أن تبدئي في التعافي من آثاره، وفهم مشاعرك، وبناء حياة جديدة لا تكون رهينة لما حدث في طفولتك.
نسأل الله أن يفرج كربك، ويطمئن قلبك، ويعينك على بر والديك، ويبدل ألمك سكينة، ويرزقك حياة طيبة آمنة مليئة بالأمل.