السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قريب لنا فتى يتراوح عمره بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، وقد تربى تربية حازمة، لكنه بدأ يظهر على سلوكه الانحراف منذ كان في المرحلة الإعدادية.
فقد كان يتحرش ببعض أفراد عائلته، بخالته مثلا، وبدأ يسرق ويكذب، ويشاهد المقاطع الإباحية، كما قالت إحدى صديقات والدته إن لديه علاقات شاذة مع بعض أصدقائه.
ومؤخرا أصبح على علاقة بفتاة، وازدادت سرقاته وأكاذيبه، ويرى والده أنه مكلف، ولم يعد صغيرا، وأنه عاص لله تعالى، كما يرى أنه صبر عليه كثيرا، ويريد طرده من المنزل.
فما الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذا الفتى، حتى يعود إلى الطريق القويم؟
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الرحمن حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم على تواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا، وعلى حرصكم على هذا الفتى، رغم ما تحملونه من ألم وحيرة تجاه حاله.
وفهمنا من رسالتكم حجم القلق الذي يعتريكم على هذا الفتى، الذي تراكمت عليه سلوكيات متعددة ومؤلمة، من كذب وسرقة ومشاهدة للمحرمات، وصولا إلى ما هو أخطر من ذلك، وهو التحرش بإحدى محارمه، ثم ما نقل عن علاقاته مع أصحابه، وأخيرا علاقته بفتاة.
وهذا موقف يهز القلب قبل العقل، ولا سيما أن الأمر يتعلق بفتى لا يزال في بداية طريقه، ولم تكتمل بعد ملامح شخصيته، ولذلك يمكن أن ننظر إلى هذه المشكلة من زاويتين، الأولى تتعلق بفهم جذور هذا الانحراف، والثانية تتعلق بالطريقة الصحيحة للتعامل معه اليوم.
• أما الأمر الأول، فإن تراكم هذا الكم من السلوكيات المنحرفة منذ المرحلة الإعدادية، وبلوغها هذا المستوى من الخطورة، كالتحرش بأحد أفراد الأسرة، نادرا ما يكون وليد الصدفة أو مجرد عصيان مقصود، بل غالبا ما تكون له جذور تحتاج إلى بحث لا إلى عقاب.
فقد يكون هو نفسه قد تعرض في مرحلة مبكرة لموقف أثر في تكوينه، كمشاهدة محتوى غير لائق في سن صغيرة، قبل أن يملك الوعي الكافي لفهمه، أو تعرضه لاستغلال أو تنمر من محيطه، ولم يجرؤ على البوح به.
وقد يكون أدى إلى ذلك أيضا شعوره بقسوة زائدة في التربية، جعلته يفقد الثقة بالحديث مع أهله، فلجأ إلى السرية والكذب وسيلة للهروب، أو تأثره برفقة سوء وجد فيها من يشبع حاجته إلى القبول، التي لم يجدها في بيته.
ونحن هنا لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، فتحديد السبب الحقيقي لا يقوم به إلا مختص مؤهل، ولكن الإشارة إلى ذلك مهمة؛ لأنها تغير زاوية النظر من فتى عاص متمرد إلى فتى يحمل جرحا لم يفهمه أحد بعد.
• وأما الأمر الثاني -وهو الأهم-، فإن قرار الوالد بطرده من المنزل قرار نتفهم دافعه، من إرهاق وتعب طويلين تراكما عبر سنوات، ولكنه من الناحية الشرعية والتربوية والنفسية قرار شديد الخطورة.
فالله -عز وجل- يقول: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}، والمسؤولية عن هذا الفتى لا تسقط لأنه بلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، فالنبي ﷺ يقول: كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته.
وطرد فتى في هذا السن من بيته يعني تركه لشارع لا يرحم، ولرفقة قد تكون أخطر بكثير مما هو فيه الآن، وهذا يعني عمليا التخلي عن آخر خيط أمان في حياته، بدلا من أن يكون بيته خط الدفاع الأخير عنه.
ومن الأمور التي سوف تعين الأسرة -بإذن الله- في هذه المرحلة ما يلي:
• أولا: أن يتحول أسلوب التعامل معه من المواجهة والتهديد إلى محاولة إعادة بناء جسر الحوار، من خلال جلسة هادئة بعيدة عن أجواء الغضب والتوبيخ، يشعر فيها الفتى بأن أهله ما زالوا يريدون له الخير، وليسوا راغبين في مجرد معاقبته.
• ثانيا: أن يبحث الوالد عمن يمكن أن يكون قريبا من الفتى ومقبولا عنده، كعم أو خال أو رجل صالح من معارف الأسرة، ليكون جسرا للتواصل حين يصعب الحوار المباشر بين الأب وابنه.
• ثالثا: عرضه في أقرب فرصة على مختص نفسي واجتماعي متمرس في التعامل مع المراهقين؛ فبعض هذه السلوكيات مجتمعة قد تكون مؤشرا يستدعي تقييما دقيقا، لا يقوم به إلا أهل الاختصاص.
• رابعا: المتابعة الواعية غير المبالغ فيها لما يشاهده، ومن يخالطهم، مع توفير بدائل صحية تشغل وقته وطاقته، كالرياضة والأنشطة الجماعية والصحبة الصالحة.
• خامسا: ألا يترك دون محاسبة على الكذب والسرقة، ولكن تكون محاسبة تربوية هادئة متدرجة، بعيدة عن التشهير به أمام الآخرين؛ فهذا يزيد الفجوة ولا يقربه.
أختي الكريمة، إن اللجوء إلى الله -عز وجل- بالدعاء له، وسؤاله -سبحانه- أن يهديه ويصلح حاله، أمر لا بد منه في مثل هذه الأحوال، فالقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وقد قال تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدىٰ}، وكم من فتى مر بأزمة أشد من هذه، ثم عاد إلى طريق مستقيم حين وجد يدا حانية تحتويه، بدلا من يد قاسية تدفعه بعيدا.
ويصدق في هذا المعنى قول الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** علىٰ ما كان عوده أبوه
فكلما كان التوجيه بالحكمة والرحمة أقرب إليه، كانت فرصة عودته أكبر -بإذن الله-.
ونؤكد مرة أخرى ضرورة التوجه إلى مختص نفسي واجتماعي مؤهل للتعامل مع هذه الحالة، بالتوازي مع الجانب التربوي والروحي، فبعض ما ذكرتموه يحتاج إلى تدخل مهني دقيق، لا يغني عنه النصح وحده.
وطلب هذه المساعدة ليس ضعفا من الأسرة، بل هو حرص ورغبة صادقة في إنقاذ هذا الفتى.
نسأل الله أن ييسر أمركم، ويشرح صدوركم، ويهدي هذا الفتى ويرده إلى طريق الحق ردا جميلا، ويجمع شمل أسرتكم على الخير والمحبة، والله الموفق.