السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أثناء فترة التخرج في الكلية تعرفت على فتاة، وتقدمت لخطبتها بعد التخرج مباشرة، ولكن لم يكن ثمة نصيب فافترقنا، وحزنت جراء ذلك كثيرا.
وكانت هناك فتاة أخرى أعرفها منذ الدراسة الإعدادية، وتحدثنا بضع مرات مؤخرا؛ إذ كنت أنا من يراسلها بسبب حزني، وبعد إنهاء خطبتي الأولى بأربعة أو خمسة أشهر أخبرتها أني أريد الزواج منها والتقدم لخطبتها، ولكنها واجهتني بالرفض، وأخبرتني أنها لا تفكر في هذا الموضوع حاليا، ولا ترغب في أن تفقدني بهذه الطريقة.
هذه الفتاة طالما أحببتها لسنوات وتعلقت بها جدا، ولكن حين أخبرتني بالرفض حزنت وانقطعت عن الحديث معها، وسعيت للعثور على زوجة مناسبة لي رغبة في عفة النفس؛ فوجدت فتاة وتقدمت لها، وأتممنا زواجنا منذ ثلاث سنوات، والله يعلم أني أحبها وأحترمها كثيرا، ولم يرزقنا الله بأولاد حتى الآن، ولكن أملي في الله كبير، غير أني لا أستطيع للحظة واحدة ألا أفكر في الفتاة الأخرى التي رفضتني.
علمت بعد زواجي بفترة أنه قد تم فسخ خطبتها، فكنت قد تركت التفكير بها تماما، ولكن عندما علمت أن الأمور لم تتكلل بالنصيب في ذلك الزواج، بدأ يراودني التفكير في الزواج منها كزوجة ثانية، ولا أعلم إن كانت ستقبل أم لا.
وحتى إني حاليا لا أملك القدرة المالية التي تمكنني من تحمل مصاريف بيتين، وأحاول جاهدا في عملي على أمل تحقيق ذلك، وأدعو الله كثيرا لنيلي إياه؛ وأود أن أوضح أن هذا ليس لمجرد أنها رفضتني -فحسب-، بل لأني متعلق بها كثيرا من قبل.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حمزة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مشاعر الحب والتعلق بالعلاقات القديمة تعتبر من التحديات التي تصيب الكثير من الناس، ومن آفات هذه المشاعر أنها تستمر مع صاحبها فترات طويلة، وخاصة إن غذاها بالتواصل وإن كان متقطعا، أو بالاحتفاظ بالذكريات وما شابهها، وغالبا ما تؤدي هذه المشاعر إلى إفساد الحاضر! وهي ضريبة كبيرة ندفعها دون أن نشعر بها تحت ذريعة الاستسلام للماضي.
وأما فيما تفضلت به من استشارة، فلعلي أجيبك عليها من خلال النقاط التالية:
▪ من الأمور التي ترهق النفس كثيرا بقاء بعض الملفات مفتوحة؛ فلا هي التي أغلقت، ولا هي التي تمت، وغالبا ما يصيب هذا الأمر صاحبه بالتشتت، والضياع، وقلة الحيلة.
▪ أقترح عليك أن تعيد التفكير بقوة في صوابية قرارك، وحقيقة رغبتك في السابقة؛ فقد يكون الأمر لا يتجاوز الإعجاب الظاهري، أو الاستحسان الذي ما إن تصطدم بحقيقة من أمامك إلا وينجلي كل ما في قلبك من شغف وإعجاب؛ فالتفكير في غير المقدور عليه غالبا ما يقترن بمشاعر التهويل والتحسين من الشيطان؛ ليزيد لدى الإنسان الحسرة والندم على ما لم يقدر عليه.
▪ أما إن كنت بالفعل تشعر برغبة شديدة تجاهها، فإن خيار التعدد يبقى خيارا قائما مع ملاحظة ألا تخبر زوجتك الحالية بذلك؛ تحسبا لتكرار عملية الرفض، فتكون قد عكرت على حياتك الأولى دون فائدة؛ ولقد أخبر المصطفى ﷺ بأنه: لم نر للمتحابين مثل النكاح.
▪ من المهم أن تراجع واقعك المادي، ووجود الحد الأدنى من القدرة على التعدد، وليس في ذلك إهمالا لعون الله الموعود به تجاه من يتزوج يبغي العفاف، ولكنه استحضار للبعد الواقعي الذي يجعل من القدرة أحد مسببات النجاح في الزواج، وخاصة في أمر التعدد؛ حيث يساهم المال في تغطية بعض النقص الذي يحدث عادة في الأوقات، أو في حل بعض المشاكل، أو في تغطية بعض العيوب، أما إذا اجتمع تعدد مع قلة ذات يد، فإن التحديات تكبر في وجه الزوج، وغالبا لا يشعر بالهناء الذي كان يبحث عنه.
▪ في حال تقدمت للثانية، ولم تقبل بالأمر، فلا بد أن تغلق التفكير بها نهائيا قدر الطاقة؛ فهو باب لم يختر الله لك الولوج فيه، فلا تبقه مفتوحا ومقلقا لك، وكن واثقا من اختيار الله لك: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}؛ فبينما نرى نحن البدايات، يعلم الله تعالى النهايات ويختار لنا ما قد نظنه شرا: {وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم}.
▪ من نافلة القول تنبيهك إلى الحفاظ على مشاعر زوجتك الأولى بعدم إخبارها بأي شيء من تجربتك السابقة، أو مشاعرك الحالية، أو نيتك المستقبلية.
▪ عندما تفكر في بناء بيت جديد، فكن مهتما وحريصا على ألا تهدم البيت القديم؛ فالتعدد في الإسلام لم يأت ليبني بيتا على أنقاض بيت، بل جاء ليلبي احتياجات، ويسد حاجات، والشريعة يخدم بعضها بعضا، ولا يتعارض بعضها مع بعض.
أسأل الله أن يختار لك الخير، وأن يريح بالك، ويهنئك بما رزقك.