السؤال
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أما بعد، فأريد أن أسألكم عن موضوع إطالة الجلوس للذكر بعد الصلاة، وخاصة التدبر فيه، أعلم أن في ذلك فضلا كبيرا، لكن أمي ترى أنني أطيل كثيرا، وهذا الأمر يجعلني أقلق بشأنه، ويخيفني من الإطالة بعض الشيء، فما الحل؟ هل أتبع نصيحتها وأقلل من ذكري، أم أبقى ثابتة على ما أنا عليه؟
إضافة إلى ذلك، أريد أن أعرف هل أبقى على هذه الحال حتى في وقت الدراسة، علما بأن دراستنا تستغرق وقتا طويلا، وما فضل ذلك حينئذ؟
وشكرا لكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ م. م حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب.
نشكر لك حرصك على بر أمك وطاعتها، ونهنئك بفضل الله عليك حين حبب إليك الذكر والاشتغال به، ونسأل الله تعالى أن يتم عليك نعمته، وييسر لك الخير.
لا شك ولا ريب -أيتها البنت الفاضلة- في أن الأذكار بعد الصلاة عبادة جليلة القدر، عظيمة الأجر، وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان فضل أذكار معينة بعد الصلاة؛ كالتسبيح ثلاثا وثلاثين، والتحميد ثلاثا وثلاثين، ونحو ذلك، والاستغفار، وقراءة آية الكرسي.
وهذه الأذكار لا تحتاج إلى وقت طويل لقراءتها بعد الصلوات، والمطلوب من الذاكر أن يجمع في ذكره بين التفكر في معاني الكلمات بقلبه، ولفظها بلسانه، وألا يستعجل استعجالا يؤدي إلى الإخلال بالتفكر في معاني الكلمات بحيث لا يدري ما يقول.
وأداء الذكر بهذه الكيفية لا يحتاج إلى أوقات طويلة؛ فيمكن أن تحتاج الأذكار بعد الصلوات إلى خمس دقائق على أكثر تقدير، وهذه لن تكون محل ملاحظة ممن حولك؛ فأمك لو رأتك تذكرين الله بعد الصلاة خمس دقائق لن ترى أنك قد أطلت.
فنحن ننصحك -ابنتنا الكريمة- بالأمور التالية:
• أولا: حافظي على الأذكار المؤكدة بعد الصلوات.
• ثانيا: احرصي على أن تتدبري معاني الكلمات التي تقولينها؛ فمعنى (سبحان الله): أنزهك يا الله عن العيب والنقائص، و(الحمد لله) معناها: أثني عليك يا الله وأمدحك بكل الكمالات والفضائل، وهكذا، فاستحضار هذه المعاني لا يحتاج منك إلى وقت طويل؛ فحافظي على هذا القدر.
• ثالثا: انتبهي من أن يجرك الشيطان إلى مزلق آخر، ويدخلك في دوامة الوسواس؛ والغرض من ذلك أن يثقل عليك العبادة بحيث يؤدي بك المسير في آخر المطاف إلى أن تنقطعي عن هذه العبادات؛ احذري من هذا المسلك تمام الحذر.
أدي هذه العبادات بدون غلو ولا تنطع، وحافظي عليها بدون انقطاع؛ فهذا هو الوسط المطلوب منك، وبه -إن شاء الله-ستحققين رغبة أمك؛ فإن أمك يبدو أنها تخاف عليك الاستغراق في هذا النوع من الجلوس بحيث تضيع مصالحك الأخرى كالدراسة وغيرها.
والذكر -أيتها البنت الكريمة- عبادة لسانية سهلة يمكن للإنسان أن يفعلها وهو في كل أحواله؛ وأنت ماشية في الطريق، وأنت تعملين بعض الأمور التي لا تحتاج منك إلى كثرة التركيز، أو غير ذلك من الأحوال؛ فالله تعالى وصف عباده أهل الجنة بأنهم يذكرون الله قياما، وقعودا، وعلى جنوبهم، ويتفكرون.
فاحذري من أن تدخلي في دوامة الوساوس، وأن تتفكري بعد ذلك في: هل أطلت؟ أم لم أطل؟ هل قلت اللفظ؟ أم لم أقوله؟ هل تفكرت في معناه؟ أم لم أتفكر في معناه؟ فهذه الأسئلة ستتطور بعد ذلك إلى أن تصير حلقة من الوسوسة؛ فاحذري الدخول في هذا تماما.
ودراستك -أيتها البنت الكريمة-؛ إذا كنت تدرسين شيئا ينفعك في دينك أو في دنياك؛ فإن هذه -إذا أحسنت فيها النية- ستصبح هي بنفسها عبادة، تثابين عليها وتؤجرين عليها؛ فالمسلم يمكن أن يصير حياته كلها عبادة لله تعالى إذا نوى التقرب إلى الله تعالى بفعل ما يلزم، واجتناب ما نهاه الله تعالى عنه، والاستعانة بالمباح على الطاعات، ونحو ذلك.
نسأل الله أن يوفقك لكل خير.