السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أبلغ من العمر 27 عاما، ومشكلتي مع أقاربي ومع زوجات الإخوة والأعمام، فقد آذوني جدا عندما كنت صغيرة، وما زالت مشكلتي معهم قائمة، وقد استقللت عنهم من حيث السكن والمواصلات، لكن بقيت مناسبات العيد، ومناسبات زفاف أفراد عائلتي، فماذا أفعل؟ لا أريد أن أراهم أبدا، وقد تعبت نفسيتي جدا، وأرغب في معرفة الحل:
• هل لا أحضر هذه المناسبات؟
• هل أطردهم من الحفل؟
• أم أذهب وأرد على كل كلمة يقولونها لي؟
ما رأيكم؟ أريد حلا؛ لأن نفسيتي تعبت جدا!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختي الفاضلة- أنك تحملين جرحا قديما من زوجات إخوتك وأعمامك، امتد معك منذ الصغر حتى صرت اليوم شابة مستقلة بسكنها ومواصلاتها، لكن قرب العيد وما يصحبه من أفراح الزواج في الأسرة، أعاد فتح هذا الجرح من جديد.
فوجدت نفسك بين ثلاثة خيارات، كلها ثقيلة على النفس: إما الغياب الكامل، وإما الحضور والرد على كل كلمة موجعة، وإما الحضور وطردهن من الحفل، وهذا التمزق بين خيارات كلها مؤلمة هو بذاته سبب رئيس في ما تشعرين به من تعب نفسي شديد.
إن الشعور الذي تحملينه له وصف عرفه العرب قبل أن يعرفه علم النفس الحديث، فقد قال طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند
فأذى القريب أثقل من أذى الغريب؛ لأنه يأتي من موضع كان يفترض أن يكون فيه الأمان لا الجرح، وهذا وحده كاف لتفهمي لماذا تعبت نفسيتك إلى هذا الحد، دون أن يعني ذلك ضعفا فيك.
ومن الناحية الشرعية، فإن الإسلام أوجب صلة الرحم، وجعلها من أعظم القربات، ونهى عن قطيعتها، لكنه في المقابل لم يوجب على أحد أن يبقى في مجلس يهان فيه، أو أن يتحمل أذى متكررا بلا حدود. وقد بين أهل العلم أن صلة الرحم لا تعني بالضرورة كثرة المخالطة والجلوس الطويل، بل تتحقق بالحد الأدنى من البر وعدم القطيعة الكاملة، وأن اعتزال من يؤذيك من الأقارب، مع بقاء أصل البر بينكما، لا يعد قطيعة محرمة، وإنما هو نوع من دفع الأذى عن النفس.
وهذا فرق مهم يريحك من شعورك بأنك بين خيارين أحلاهما مر: الحضور الكامل أو القطيعة الكاملة.
ويمكن أن ننظر إلى مشكلتك من زاويتين:
• الأولى أن يكون هدفك الأساسي حماية نفسك من الأذى المتكرر، وفي هذه الحالة فإن الحل ليس الغياب الكامل الذي قد يوتر علاقتك بأهلك القريبين منك، كوالديك وإخوتك، ولا الطرد الذي يفتح بابا من الفتنة يصعب إغلاقه بعد ذلك، بل حضور محسوب بحدود تضعينها أنت لنفسك مسبقا.
• والثانية أن يكون جزء من تعبك ناتجا عن سنوات تراكمت فيها كلمات، لم تجدي فيها من يسمعك أو يدافع عنك، وهذا يحتاج إلى علاج داخلي أعمق من مجرد إدارة موقف العيد وحده، وسنأتي إلى هذا الجانب لاحقا.
ومن الأمور التي سوف تعينك، بإذن الله، في مناسبات العيد والأفراح القادمة:
• الأمر الأول: أن تحددي لنفسك حضورا محسوب الوقت، لا حضورا مفتوحا، فتذهبين في وقت مناسب، وتسلمين على من يجب عليك برهم من والديك وإخوتك، وتبقين بالقدر الكافي لأداء الواجب الاجتماعي، ثم تنصرفين دون أن تعطي نفسك فرصة للجلوس الطويل الذي يفتح بابا للكلام الجارح.
• الأمر الثاني: أن تتعاملي مع كلامهن بمبدأ عدم الانجرار، لا بمبدأ الرد على كل كلمة، فليس كل كلام يستحق ردا، وابتسامة هادئة، أو تغيير موضوع الحديث، أو الانشغال بالسلام على غيرهن، كفيل بإسقاط كثير من محاولات الاستفزاز دون أن تدخلي في نقاش يستنزف طاقتك.
• الأمر الثالث: أن تستعيني بوالدتك أو والدك أو أحد إخوتك ممن تثقين به، ليكون سندا لك في هذه المناسبات، فوجود شخص يعرف قصتك معهن ويقف إلى جوارك يخفف كثيرا من وطأة الموقف.
• الأمر الرابع: أن تبتعدي عن فكرة الطرد أو المواجهة العلنية، فمهما بلغ أذاهن، فإن مثل هذا التصرف سيحملك وحدك وزر القطيعة أمام الأسرة الكبيرة، بينما لن يحاسب أحد على سنوات الإيذاء السابقة، وهذا ظلم إضافي لك لا داعي أن تضيفيه إلى نفسك بيدك.
• الأمر الخامس: أن تعملي على تحصين قلبك قبل الذهاب بذكر الله، والاستعاذة من وسوسة الشيطان التي قد تدفعك إلى التصعيد أو الانسحاب الكامل، وقراءة شيء من القرآن قبل هذه المناسبات تمنحك سكينة تحملينها معك.
يقول الله عز وجل: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}، فالدفع بالحسنى لا يعني الرضا بالظلم، ولا يعني تكرار الجلوس معهن دون حدود، بل هو طريق تحفظين به كرامتك، وتقطعين به الطريق على من يريد استفزازك.
وقد وصف النبي ﷺ القوة الحقيقية فقال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، وفي هذا دليل على أن ضبط النفس ليس ضعفا كما قد تشعرين أحيانا، بل هو أعلى درجات القوة.
أما ما ذكرته من تعب نفسي شديد استمر معك منذ الصغر، فهذا يستحق اهتماما أكبر من مجرد إدارة مناسبة عابرة، فإذا وجدت أن هذا الشعور يثقل عليك في أكثر من موقف، وليس فقط في مناسبات الأقارب، فمن الحكمة أن تستشيري أخصائيا نفسيا يساعدك على معالجة أثر هذه السنوات بشكل أعمق.
فطلب المساعدة المتخصصة ليس عجزا، بل هو خطوة ناضجة نحو راحة نفسك.
وتذكري -أختي الفاضلة- أن استقلالك بسكنك اليوم هو بحد ذاته إنجاز يدل على قوتك وقدرتك على بناء حياة بعيدة عن مصدر الأذى، وأن حضورك القصير المحسوب في مناسبة، أو غيابك عن أخرى حين تحتاجين ذلك، لا ينقص من هذا الإنجاز شيئا.
نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يبدلك بعد هذا التعب راحة وسكينة، وأن يجمع قلبك على العافية، والله الموفق.