السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أم لطفلة عمرها سبعة أشهر، وقد تعرضت لموقف أثناء الولادة سبب لي خوفا شديدا، ومنذ ذلك الوقت إلى الآن أعاني من صداع مستمر، وأحلام مزعجة متنوعة، منها الحبس، وأكل الأفاعي، ورؤية الجن، ويرافقني فيها دائما شخص لا أعرفه، وتزداد هذه الأعراض عند الالتزام الديني والذكر.
علما بأنني راجعت طبيبا نفسيا، فشخص حالتي بأنها اكتئاب ما بعد الولادة، ووصف لي علاجا أتناوله منذ سبعة أشهر، لكنني لم أستفد منه، كما راجعت طبيبا عضويا، وكانت تحاليلي سليمة.
هل الخوف الذي تعرضت له أثناء الولادة سبب لي مسا أو عينا؛ لأن الصداع لا يزول بالمسكنات، ويزداد عند القراءة، وخاصة عند قراءة سورة البقرة؟
كما أنني مع وجود الصداع أشعر بأنني أصبحت شخصا آخر، وأستثار من أدنى شيء، وأفسر الأمور بطريقة خاطئة، وأعتزل الناس من حولي.
أرجو الرد، مع جزيل الشكر.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم جود حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.
حقيقة، أول ما بدأت بقراءة الرسالة، وأنك أم لرضيعة عمرها 7 أشهر، مباشرة ذهب الذهن إلى اكتئاب ما بعد الولادة، والذي أكد هذا تشخيص الطبيب النفسي الذي راجعته في هذا.
حالتك -أختي الفاضلة، في تقديري-، هي حالة ناتجة عن الاضطرابات الهرمونية أثناء الحمل وبعده، بالإضافة إلى ضغوطات الحياة المختلفة التي لا تخفى عليك.
أختي الفاضلة، الأمر الذي أفكر فيه: هل هو اكتئاب ما بعد الولادة فقط، أم حالة ذهانية (ذهان ما بعد الولادة)؟ فعلاجهما يختلف؛ فإذا كان اكتئاب ما بعد الولادة، فعلاجه بأحد مضادات الاكتئاب، وكنت أتمنى لو ذكرت لنا الدواء الذي وصفه لك الطبيب النفسي، أما إذا كانت حالة ذهان ما بعد الولادة، فهو يحتاج إلى أحد الأدوية المضادة للذهان.
أنصحك -أختي الفاضلة- أن تعودي إلى الطبيب النفسي أو غيره؛ ليقوم بتقييم حالتك النفسية، ويؤكد لك أيا من التشخيصين، وبالتالي سيصف لك الدواء المناسب. إذا كان اكتئاب ما بعد الولادة، والطبيب الذي راجعته وصف لك أحد مضادات الاكتئاب ولكن دون نتيجة؛ فهنا إما أن نعيد النظر في جرعة هذا الدواء، أو نغيره إلى دواء آخر.
أطمئنك أن كل الحالات النفسية ما بعد الولادة تستجيب بشكل جيد للعلاج، إلا أننا علينا ألا نتأخر في العلاج؛ فأنت ربما في هذه الحالة منذ الولادة، أي منذ 7 أشهر، وقد مرت علي سيدات عانين لأكثر من سنة من مثل هذه الأعراض؛ لذلك أرجو ألا تتأخري أو تترددي في متابعة الموضوع، هذا لسلامتك أولا، وسلامة رضيعتك، وأسرتك بشكل عام.
أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، وحسن التربية لهذه الطفلة.
وبالله التوفيق والسداد.
------------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ عقيل محمد المقطري، مستشار العلاقات الأسرية والتربوية.
-------------------------------------------
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله، ومن الله أستمد العون:
بما أن رسالتك تحمل في طياتها معاني من الابتلاء والمشقة، فإني أضع بين يديك هذه القواعد الإيمانية؛ لتكون لك نبراسا وتسلية:
• أولا: كوني متيقنة أن ما يصيب العبد إنما هو وفق ما قضاه الله وقدره عليه، وأن ما قضاه الله فيه خير له، وإن كان ظاهره خلاف ذلك، قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال ﷺ: قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال ﷺ: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، والكيس: الفطنة.
• ثانيا: شدة الابتلاء دليل على محبة الله للعبد، والجزاء يكون على قدر البلاء، فإن عظم البلاء عظم الجزاء، يقول ﷺ: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، فعليك بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذار التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.
• ثالثا: عليك أن تنظري لمن هم أشد بلاء منك، فذلك أحرى بك ألا تتسخطي على قضاء الله وقدره، كما أن النظر في النعم يكون إلى من هو أدون منا، فكذلك البلاء ننظر إلى من هو أشد ابتلاء.
• رابعا: كوني على يقين أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، قال ﷺ: واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.
أما بخصوص ما تعانين منه من صداع مستمر، وأحلام مزعجة كالأفاعي والجن، وزيادة الأعراض مع الالتزام الديني وقراءة سورة البقرة؛ فهذه الأعراض مجتمعة تشير بقوة إلى وجود عارض روحي -مس أو عين-. والخوف الشديد، أو الغضب الشديد، أو الغفلة الشديدة، هي من أهم المنافذ التي يتسلط من خلالها الشيطان على الإنسان.
وزيادة الأعراض ونفورك واعتزالك للناس عند قراءة القرآن أو الذكر؛ هو دليل على تأثر العارض الروحي بالرقية، وهو مؤشر إيجابي يدل على أن العلاج بالقرآن يؤتي ثماره، وليس مبررا للتوقف، قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}. ومع تأكيدنا على الجانب الروحي، إلا أننا لا نلغي الجانب النفسي؛ فتجربة الولادة وما رافقها من رعب قد تحدث صدمة نفسية واكتئابا.
وبما أنك تناولت العلاج النفسي لسبعة أشهر دون جدوى، فأنصحك بمراجعة طبيب نفسي آخر لإعادة التقييم، فربما تحتاجين إلى تغيير نوع الدواء أو دمجه مع العلاج السلوكي المعرفي، فالأخذ بالأسباب الدنيوية والطبية من صميم التوكل على الله، قال رسول الله ﷺ: تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء.
وللخروج من هذه الأزمة وعلاجها جذريا، أضع بين يديك هذا البرنامج العلاجي الشامل:
• أولا: استمري في قراءة سورة البقرة، ولا تلتفتي لزيادة الصداع أو التعب، بل جاهدي نفسك؛ فإن الشيطان يفتعل هذه الأعراض ليصرفك عن إهلاكه، قال رسول الله ﷺ: اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة، أي: السحرة.
• ثانيا: حافظي على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، والوضوء قبل النوم، ونامي على شقك الأيمن متجهة إلى القبلة؛ ليكون ذلك لك حصنا من الأحلام المزعجة وتسلط الشياطين.
• ثالثا: لا تصغي للأفكار السلبية والوساوس التي تدفعك لاعتزال الناس أو تفسير الأمور بسوء، واعلمي أنها من نزغات الشيطان ليحزنك، فاستعيذي بالله منها فور ورودها.
• رابعا: عيشي مع أفراد أسرتك بصورة طبيعية، وتجاذبي معهم أطراف الحديث، واطلبي منهم أن يساعدوك في ترك العزلة، فإذا رأوك قمت، فليسارعوا إليك ليخرجوك من المكان الذي ذهبت إليه.
• خامسا: لا تدخلي في حوار مع تلك الوساوس، واقطعيها فور ورودها، وقومي من المكان الذي أتتك وأنت فيه، ومارسي أي عمل يلهيك عنها.
وأختتم إجابتي بهذه النصائح التي هي مفاتيح للفرج بإذن الله:
• أولا: لزوم الاستغفار والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك.
• ثانيا: الإكثار من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ومنها أن يرفع عنك البلاء، مع تحين أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، للحديث: الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، وأثناء السجود، للحديث: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم، ومعنى قمن: أي حري أن يستجاب لكم، وفي الثلث الأخير من الليل، لحديث: ينزل ربنا في الثلث الأخير من كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له....
• ثالثا: الإكثار من دعاء ذي النون: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله ﷺ: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.
• رابعا: عليك بدعاء الكرب، وهو: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، فما دعا به أحد إلا نفس الله كربه وفرج همه.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، وأن يذهب عنك ما تجدين، وأن يقر عينك بابنتك وبصحتك وعافيتك، ونسعد بتواصلك.
وبالله التوفيق والسداد.