السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحتاج إلى إفادة أو شرح للحالة التي تنتابني، فأنا شاب عمري 30 سنة، وأعمل محاميا. أشعر بحالة من الاكتئاب، ولا أعلم سببها، وقد ترتبت عليها مشكلات أخرى كبيرة، مثل القلق الدائم، والوسواس في كل شيء، حتى إنني لا أستطيع الصلاة، ولو نويت أداءها، ولا أعلم أسباب ذلك.
وفي معظم الأوقات أشعر بالحزن الدائم، وعدم الثقة بالنفس، ولا أطيق القراءة، حتى قراءة القرآن والأذكار، مع أنها من صميم عملي، وفي الآونة الأخيرة أصبحت مهملا في عملي، وأستيقظ بصعوبة، حتى إن نمت مدة كافية، كما أصبحت مهملا في جميع جوانب حياتي.
أصبحت أميل إلى الوحدة، ولا أرغب في كثرة الكلام، ولا أطيق سماعه كثيرا، حتى إنني في عملي -الذي يقوم على الكلام- لم أعد أستطيع إكماله، فعلى سبيل المثال، أهرب من المرافعات أمام القضاة، وأكتب مذكرة، وإن كان يجب علي الترافع، أتلعثم، وأشعر بسخونة في جسدي، وأقوم بحركات لا إرادية، وأشعر برعشة، ويتصبب مني العرق، ولا أستطيع إيصال ما ينبغي إيصاله.
وجزاكم الله عنا كل خير.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال، وبهذه التفاصيل الدقيقة.
يغلب على ظني -أخي الفاضل- أنك تعاني من الاكتئاب النفسي، والذي ربما ترافق مع شيء من القلق والتوتر؛ مما أثر على حياتك النفسية، والأسرية، والمهنية.
أخي الفاضل، في كثير من الأحيان قد لا نعلم السبب النفسي أو الاجتماعي للاكتئاب؛ إلا أن الاكتئاب هو نتيجة تبدلات النواقل العصبية داخل الدماغ؛ فإذا قد لا يكون في حياة الإنسان صعوبات، أو تحديات، أو مشكلات، ومع ذلك يصاب بالاكتئاب، وهذا نسميه أحيانا "الاكتئاب الداخلي"؛ أي أنه لا يعكس ظروف الحياة الصعبة، وإنما تبدل في كيمياء الدماغ، وهذا مثله مثل الأمراض الأخرى.
أخي الفاضل، أنا أنصحك ألا تتأخر أو تتردد في زيارة العيادة النفسية؛ ليسألوك بعض الأسئلة المتعلقة بحالتك النفسية وظروفك الحياتية، ومن ثم وضع التشخيص، ثم العلاج من بعده، ويغلب على ظني أنك ستستفيد أكثر من العلاج الدوائي، يمكن في مرحلة تالية أن تلجأ إلى العلاج المعرفي السلوكي من باب الوقاية من مثل هذه النوبات الاكتئابية، ستشعر بعد فترة من العلاج -عدة أسابيع من العلاج- أن نفسيتك ومزاجك قد تحسن؛ مما ينعكس إيجابيا على عملك كمحام.
أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--------------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
--------------------------------------------
مرحبا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى -بأسمائه الحسنى وصفاته العلا- أن يعجل لك بالعافية والشفاء، ويصرف عنك كل سوء ومكروه.
قد أفادك الأخ الفاضل الدكتور/ مأمون بنصائح قيمة، نأمل -إن شاء الله تعالى- أن يتيسر لك العمل بها، وتبادر وتسارع إلى تنفيذها؛ فأقدار الله تعالى يدفع بعضها بعضا، وقد قال الرسول ﷺ: ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، فتداووا عباد الله، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-: نفر من قدر الله إلى قدر الله.
فأحسن ظنك بالله أنه سيذهب عنك هذا المرض، وستعود -بإذن الله تعالى- إلى حال أحسن مما كنت عليه، وإنما الأقدار يقدرها الله تعالى ابتلاء واختبارا لعباده، فقابل هذا القدر أولا بالصبر والاحتساب؛ فيقينك بأن الله تعالى قد قدر هذا عليك قبل أن تخرج أنت إلى هذه الدنيا، يقينك هذا سيهون عليك هذه المصيبة، وقابل هذا القدر أيضا بالأخذ بالأسباب الشرعية لرفعه، ومن ذلك التداوي.
ونوصيك -أيها الحبيب- من الجانب الشرعي بـالآتي:
▪ الامتثال لتوجيهات الله تعالى وتوجيهات رسوله -صلى الله عليه وسلم- للمريض: فالمريض خفف الله تعالى عنه كثيرا من الأحكام التي يطالب بها الإنسان الصحيح، ودخل ذلك التخفيف في عباداته؛ ولذا نحن ننصحك بأن تأخذ بجانب التخفيف والتيسير في هذه الحالة التي أنت فيها.
▪ فحاول أن تحافظ على الفرائض، وألا تضيعها أو تتهاون فيها.
▪ وبالنسبة للأذكار وقراءة القرآن، حاول أن تحافظ على شيء يسير منها بقدر استطاعتك؛ فإن الذكر من أهم الوسائل التي تشرح الصدر وتزيل الهم، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].
نحن نتفهم أنك في حالة من الكسل والنفور عن الأعمال، ولكن حاول أن تمارس منها ما هو سهل يسير، لا يتعبك ولا يكلفك عناء؛ ومن ذلك السماع، وأن تجالس الصالحين، وتستمع منهم إلى ذكر الله تعالى، فإن ذكر الله تعالى سبب أكيد في شرح الصدر.
▪ حاول -أيها الحبيب- أن تحسن إلى الآخرين؛ فالصدقة سبب للشفاء وسعة الصدر، حاول أن تمسح على رأس يتيم، وأن تساعد محتاجا، وهكذا؛ فهذه الأعمال كلها من شأنها -بإذن الله تعالى- أن تفرج عنك وتزيل عنك الكربة.
▪ وأكثر من الصلاة على الرسول ﷺ بقدر استطاعتك.
هذا كله سيتيسر لك -بإذن الله تعالى- مع نوع من المجاهدة والمشقة، والأجر يعظم -أيها الحبيب- بقدر المشقة.
وبجانب الدواء الذي أرشدك إليه الدكتور مأمون، وأن تعرض نفسك على الطبيب النفسي، فهذا كله أخذ بالأسباب، ثم علق قلبك بالله سبحانه وتعالى، وأحسن ظنك به أنه لن يتركك، وأنه سيفرج كربك؛ فإن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء.
نسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير، ويشرح صدرك، ويصرف عنك كل سوء ومكروه.