تأخر زواجي وجرح أمي المستمر.. هل يكون الابتعاد عنها هو الحل؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا عمري 31 سنة، ولم يأت نصيبي -والحمد لله- أنا متخرجة وأعمل، لكن والدتي امرأة متسلطة اللسان، تنعتني بأبشع النعوت، وهذا منذ طفولتي، وكانت تريدني أن أتزوج منذ أن كان عمري 16 سنة.

وحقيقة كنت أسمع كلامها، ودائما أبحث عن شخص يتزوجني، ولكن للأسف لم تتم أي علاقة، فوالدتي لا تصدق بأن هذا نصيب، وكانت كثيرا ما تتحدث عن أن عينا أو سحرا أصابنا، وتلجأ إلى المشعوذين والمنجمين، وبسببها وبسبب كلامها، أصبت باكتئاب حاد، استوجب علي الذهاب إلى طبيب نفسي وتلقي العلاج، وفي لحظة ما اكتشفت ما أريده في الحياة، وهو السلام النفسي والداخلي.

لكنها لا تزال تجرحني بكلام يفوق الخيال، حتى إنها شكت في عفتي، وتريد اصطحابي إلى الطبيب، ودائما تدعو علي بالشر والحزن والمرض، وكل الناس يتجنبونني ولا يريدون قضاء الوقت معي بسببها، ويقولون: أمك ستأتي وستفتعل المشاكل، أرجوك، لا تطيلي البقاء معنا.

فأمي لا ترضى بقضاء الله، ودائما تتشكى وتتذمر، حتى في صلاتها، ولا تريد أبدا أن يكون هناك شخص أفضل منها، ولا تتحمل أن تشكر غيرها، وهذا ملخص من حياتي البائسة معها، وأنا أفكر في الهجرة الآن والابتعاد عنها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

أختي الكريمة، شرعا بر الوالدين واجب ومن أعظم القربات، ولكن طاعة الوالدين ليست طاعة مطلقة؛ فلا يجوز للإنسان أن يطيع في معصية أو ضرر، ولا يجوز للأم أن تظلم ابنتها، أو تهينها، أو تتهمها في عفتها بلا بينة؛ فقذف العرض أمر خطير شرعا، وتترتب عليه أحكام شرعية وقضائية.

كما أن الدعاء على الأبناء بالشر والترويع والإذلال منهي عنه شرعا، وليس من حسن التربية، ولا من البر والإحسان الذي أمر الله به، بل هو من تضييع الأمانة والرعية التي استرعاها الله تعالى لعباده.

لذلك -أختي الفاضلة- هذه الأمور التي ذكرت أنها تصدر من أمك تحتاج إلى النصح والتوجيه؛ فالقذف والاستعانة بالمشعوذين والمنجمين أمور محرمة تستوجب التوبة والرجوع إلى الله أولا.

فبادري إلى الدخول في حوار هادئ مع والدتك، ووضحي لها أثر هذه المعاملة عليك، وكيف تؤثر في نفسيتك ومستقبلك، ويمكنك أن تستعيني بشخص من محارمك له مكانة عند والدتك كخالك مثلا ليساعدك في هذا الأمر.

أختي الكريمة، إن تأخر الزواج ليس عيبا، ولا دليلا على نقص فيك، ولا يعني أن فيك سحرا أو عينا؛ فالزواج رزق، وقد يتأخر لحكمة لا نعرفها، وليس مطلوبا منك أن تجعلي قيمتك في الحياة مرتبطة بوجود زوج.

وكذلك الذهاب إلى المنجمين والمشعوذين وتصديقهم أمر محرم، ولا يجوز علاج مسألة الزواج بمثل هذه الطرق، وإنما يكون ذلك بالتوكل على الله، والدعاء، والأخذ بالأسباب المشروعة.

أختي الفاضلة، بعدما وصلت إلى مرحلة الاكتئاب لا تستهيني بالأذى الواقع عليك؛ فحفظ النفس والصحة النفسية مقصد شرعي، ومن حقك أن تضعي حدودا لهذا الأذى مع والدتك، ولكن بطريقة تحفظ لها حقها وبرها دون عقوق أو إساءة أو ظلم.

لذلك أنصحك بما يلي:

▪ أولا: استمري في العلاج النفسي ما دمت بحاجة إليه، ولا تجعلي كلام والدتك معيارا لحقيقة نفسك؛ فأنت أدرى بحالها، ومعرفة ذلك تساعدك على ألا تجعلي كلامها يؤثر فيك.

▪ ثانيا: ضعي حدودا واضحة للإساءة؛ فإذا بدأ السب أو الاتهام، فأنهي الحوار بهدوء وابتعدي، ولا تدخلي في جدال طويل يزيد المشكلة.

▪ ثالثا: انشغلي ببناء ذاتك وتنمية مهاراتك؛ كحفظ القرآن، وحضور المحاضرات، والأعمال التطوعية؛ فالفراغ قد يعيدك إلى تذكر الماضي وآلامه، فيزيد التوتر والقلق، ولذلك من المهم ألا تجعلي الماضي يسيطر على حاضرك ومستقبلك.

▪ رابعا: أحيطي نفسك بصحبة صالحة وبيئة تساعدك على الخروج من دائرة التوتر، ووسعي دائرة علاقاتك الاجتماعية، واجعلي من حولك يرى تميزك وأخلاقك الحسنة؛ فهذا من أسباب زيادة الفرص للزواج -بإذن الله تعالى-.

▪ خامسا: لا أنصحك بالهجرة بمفردك لمجرد الهروب من المشكلة، ولكن يمكن التفكير في الابتعاد لفترة قصيرة ومدروسة لتري أثر ذلك في نفسيتك؛ فإن وجدت أن حالك يتحسن، فقد يكون الانتقال إلى بيئة ليست بعيدة أفضل، مع المحافظة على صلة والدتك وبرها وعدم التسبب لها في أذى.

أخيرا: أختي الفاضلة، لا تتزوجي لتتخلصي من أمك أو من معاناتك؛ لأن ذلك قد يجعلك تختارين الزواج بدافع الهروب لا بدافع الاستقرار، فتقدمين التنازلات لذلك؛ فيخشى أن تهربي من مشكلة فتقعي في أخرى أكثر ألما، فاجعلي اختيار الزوج قائما على الدين، والخلق، والتوافق، والاستقرار.

وتذكري أن لله تعالى حكمة في تأخر الزواج، فلعل الله يأتي به في الوقت المناسب وأنت في خير وعافية؛ قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ۗ والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.

وأكثري من الدعاء والتضرع إلى الله أن يذهب عنك ما تجدين من ألم وحزن، وأن يوفقك للزواج بالرجل الصالح التقي الذي يعوضك خيرا، ولا تتوقفي عن بناء نفسك والإكثار من الخير والصالحات؛ فهي من أسباب الاستقرار النفسي والطمأنينة؛ قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

وفقك الله ويسر أمرك.

مواد ذات صلة

الاستشارات