السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عمري 35 عاما، وكنت تاركة للصلاة، وأرتكب الذنوب، ولكنني في يوم، وقت صلاة الفجر، كنت أبكي كثيرا، فقمت وصليت الفجر، ثم نمت واستيقظت، ومنذ ذلك الوقت التزمت بالصلاة والصيام.
كنت لا أقضي الأيام التي أفطرتها، أما الآن فقد التزمت بالقضاء، ولكنني دائما خائفة من الموت، وأخاف أن أموت قبل أن أقضي ما علي، فأعذب في القبر ويوم الحساب، وأخاف ألا أنال الثبات عند دفني وسؤالي.
وطوال الوقت أبكي من الخوف من الموت، بسبب كثرة ذنوبي في الماضي وترك الصلاة، كما أخاف على موت أهلي، ودائما أشعر بأن الموت يحيط بي.
وصلت إلى مرحلة لا أستطيع معها أن أعيش بصورة طبيعية، فهل يغفر الله لي ما مضى من الذنوب بعد التوبة؟ وماذا أفعل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ بسمة، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
حياك الله، وشرح صدرك، وثبت قلبك على طاعته، وجعل توبتك بداية حياة مباركة. فمن أجمل ما في رسالتك أنك عدت إلى الصلاة والصيام بعد فترة من التقصير، وأن قلبك أصبح يخاف الله تعالى ويرجو رحمته، وهذه نعمة عظيمة تستحق الشكر؛ فاحمدي الله تعالى الذي أيقظ قلبك وفتح لك باب التوبة.
أختي الفاضلة، اطمئني؛ فالله تعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب إليه توبة صادقة، ولا يجوز أن يتحول خوفك من الذنوب إلى يأس من رحمة الله تعالى أو عجز عن مواصلة الحياة؛ قال سبحانه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}، وقال النبي ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ رواه ابن ماجه، وحسنه أهل العلم.
فإذا صدقت في توبتك، وندمت على ما مضى، وأقلعت عن الذنب، وعزمت ألا تعودي إليه؛ فارجي مغفرة الله تعالى، ولا تعيشي أسيرة للماضي، والتوبة ليست مجرد دموع وخوف، بل هي أيضا حسن ظن بالله، واستقامة، وعمل صالح.
• أولا: لا تجعلي الخوف يطغى على الرجاء:
إن الخوف من الله تعالى محمود إذا دفع إلى الطاعة، ولكنه إذا تحول إلى بكاء دائم، ورعب من الموت، وشعور بأن العذاب ينتظرك حتما؛ فقد أصبح مؤذيا لك، ويحتاج إلى معالجة؛ قال الله تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم}، فالمؤمن يسير إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء؛ يخاف ذنوبه، ولكنه يرجو رحمة ربه -سبحانه-، ولا يحكم على نفسه بالهلاك، وتذكري أن النبي ﷺ قال: لله أفرح بتوبة عبده...؛ فالله -سبحانه- يفرح بتوبة عبده؛ فلا تجعلي توبتك سببا لتعذيب نفسك، بل اجعليها بابا للطمأنينة والقرب.
• ثانيا: ماذا تفعلين بشأن الصلاة والصيام الفائتين؟
- الصيام: إذا كان عليك قضاء أيام من رمضان، فاحرصي على قضائها تدريجيا بحسب استطاعتك، ولا تؤخريها بلا سبب، وإن كنت لا تعرفين العدد بدقة، فاجتهدي في تقديره، واسألي جهة إفتاء موثوقة عن التفاصيل المتعلقة بالقضاء والفدية.
- الصلاة: إن مسألة قضاء الصلوات التي تركت عمدا زمنا طويلا فيها خلاف معتبر بين أهل العلم؛ فلا تحكمي على نفسك بالعذاب، ولا تتخذي قرارا في هذه المسألة بناء على الخوف وحده، بل اسألي عالما موثوقا عن حالتك بالتحديد، وواصلي المحافظة على الصلوات الحاضرة.
- اجعلي لك وردا ثابتا من القرآن والذكر، وأكثري من الاستغفار والعمل الصالح، دون أن تحولي العبادة إلى عقوبة نفسية؛ قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}.
• ثالثا: كيف تتعاملين مع الخوف من الموت؟
أختي العزيزة، إن الموت حق، والاستعداد له يكون بالإيمان والعمل الصالح، لا بالعيش في رعب دائم. وإذا جاءك الخوف، فقولي لنفسك: أنا تبت إلى الله تعالى، وأعمل على إصلاح ما بقي من عمري، ورحمة ربي أوسع من ذنوبي، ولست مطالبة بضمان الغيب، وإنما ببذل وسعي اليوم.
ثم عودي إلى عملك أو دراستك أو حياتك اليومية، ولا تسترسلي في تخيل القبر أو سؤال الملكين أو صور العذاب، وإذا شعرت بالخوف من الموت أو على أهلك، فادعي لهم، وخذي بالأسباب المشروعة، ثم اتركي ما لا تملكينه لله تعالى؛ قال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}.
وإذا استمر البكاء والخوف معظم اليوم، أو أصبح يمنعك من النوم، والعمل، والعيش بصورة طبيعية؛ فأنصحك بمراجعة أخصائية نفسية موثوقة، مع المحافظة على الاستعانة بالله تعالى؛ فطلب المساعدة النفسية لا ينافي الإيمان، وقد يكون سببا في التخلص من القلق والوساوس التي ترهقك.
أختي الكريمة، لا تنظري إلى نفسك باعتبارك إنسانة مرفوضة بسبب ماضيها، بل باعتبارك أمة عادت إلى ربها، وتسعى إلى إصلاح ما بقي من عمرها. وما دمت حية، فباب العمل مفتوح، ورحمة الله أوسع من كل ما تتخيلين.
أسأل الله تعالى أن يغفر لك ما مضى، ويثبتك على الصلاة والطاعة، ويملأ قلبك أمنا وطمأنينة، ويبدل خوفك رجاء، وحزنك سكينة، وأن يبارك في عمرك وأعمار أهلك، ويرزقك حسن الخاتمة، ويجعلك ممن قال الله فيهم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.