السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حياكم الله، ونفع بكم، وبارك في جهودكم.
أنا طالبة طب في السنة قبل الأخيرة، وقد مضت السنوات -بحمد الله وتوفيقه- في دراستي للطب، مع أنني أعدت إحدى السنوات.
مشكلتي أنني لا أستوعب المعلومات، فعلى الرغم من أنني أبذل مجهودا معتبرا، فإنني حرفيا أنسى كل شيء، ولا يترسخ في ذهني شيء، لا التشخيصات، ولا حتى المعلومات الفسيولوجية العامة.
أشعر بالحرج الشديد عندما يسألني أفراد عائلتي عن معاناتهم من عرض معين، أو عن مرض أو دواء أو تحاليل، أو ما شابه ذلك، وأشعر أنهم -مع كونهم غير متخصصين- لديهم معلومات أفضل مني.
وحتى مع زملائي، عندما يسألون عن نقطة في درس معين، مع أنني أكون قد درست ذلك الدرس، أجدهم يتناقشون ويحللون، بينما أبقى جامدة، وكأنني أستقبل المعلومات فقط، ولا يستوعب عقلي ما أقرأ.
كان الطب حلما بالنسبة إلي، أما الآن فلا أقول إنني أكرهه، لكنني لم أعطه حقه، ولم تعد لدي طموحات كما كانت قبل دخولي الكلية.
أخاف من المسؤولية، ومن العمل، خاصة أن السنة الأخيرة -إن شاء الله- ستكون كلها تدريبا ميدانيا في المستشفى، وأخاف أن أتعرض للإحراج أمام الأساتذة أو المرضى -والله المستعان-؛ لأنني أشعر بأنه ليس لدي معلومات كافية.
أريد أن أستعيد جزءا من ذاتي القديمة، فقد كنت شغوفة بالعلم، وأشعر بالذنب، وأخاف أن يحاسبني الله على تقصيري، وأريد أن يكون لدي هدف ووجهة واضحة، بدلا من أن أعيش هكذا دون غاية، فعندما أفكر في حياتي، أجد أنني لا أملك طموحا، وإنما تتوالى الأيام علي فحسب، وعزائي الوحيد أنني -بحمد الله- أحفظ القرآن، وأشغل وقتي بحضور الحلقات، فربما أصبحت هي شغلي الشاغل.
أحيانا يوسوس لي الشيطان بأن انشغالي بالحلقات، هو السبب في عدم استطاعتي التوفيق بين ذلك وبين الدراسة، لكن الحلقات ليست السبب، بل إنها تعينني -بإذن الله- على ما أدرس.
أفكاري مشتتة، وأشعر بأنه لا طاقة لدي للعطاء، وأنني دائما أقل من المستوى، وهذا المجال يحتاج إلى أذكياء وأقوياء، بينما أرى نفسي بليدة لا أفهم، وهذا ليس جلدا للذات، بل هو الحقيقة في نظري.
آمل أن أكون قد وفقت في إيصال ما يؤرقني، وأشكركم جزيل الشكر على إجابتكم، وجزاكم الله خيرا، وأحسن إليكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ مزن، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك ثقتك بموقع إسلام ويب وحرصك على إصلاح حالك وطلب النصح، ونبشرك أن وصولك إلى العام قبل الأخير من دراسة الطب، بعد ما مررت به من تعب وتعثر؛ دليل على قدرتك على الاستمرار، وليس دليلا على البلادة أو عدم الصلاحية لهذا المجال.
يبدو من رسالتك أنك لا تكرهين الطب، وإنما أثقلتك المقارنة بالآخرين، والخوف من المسؤولية والإحراج، وتراكم الشعور بأن ما تدرسينه لا يثبت في ذهنك، حتى أصبح القلق نفسه عائقا أمام التركيز والاستيعاب، والنسيان في مثل هذه الظروف قد يرتبط بالإجهاد والقلق، وضعف التركيز وطريقة المذاكرة، وليس بالضرورة ضعف القدرة العقلية؛ فالمعلومة التي لا تسترجع وتراجع بصورة متكررة؛ سرعان ما تضعف، مهما كان ذكاء صاحبها.
لذلك لا تجعلي إجابات أفراد الأسرة أو نقاشات زملائك، معيارا للحكم على مستواك؛ فقد يعرف الطالب المعلومة لكنه يتعثر في استحضارها تحت الضغط، كما أن المقارنة تظهر نقاط ضعفك وتخفي عنك ما أنجزته.
ابدئي بخطة بسيطة: حددي هدفك القريب وهو التخرج، وقسمي المواد إلى وحدات صغيرة، واعتمدي على الاسترجاع النشط؛ أغلقي الكتاب وحاولي شرح المعلومة من ذاكرتك، ثم راجعي ما نسيته، واجعلي لكل موضوع مراجعات متباعدة، واستخدمي الأسئلة والحالات السريرية والخرائط الذهنية، واربطي كل مرض بأعراضه وتشخيصه وعلاجه، بدل حفظ المعلومات منفصلة؛ فهذا أقرب لطبيعة الممارسة الطبية.
ومن المفيد اختيار زميلة أو أستاذة تثقين بها للمراجعة الأسبوعية، تشرحين لها موضوعا أو حالة، وتسألان بعضكما دون خوف؛ لتكتشفي تدريجيا أن لديك معلومات أكثر مما تتصورين.
وفي التدريب السريري لا يشترط أن تعرفي كل شيء؛ فالطبيب المتعلم يسأل ويتأكد ويراجع، والأهم أن تعرفي حدود معرفتك، ويمكنك القول: سأراجع المعلومة ثم أجيبك لاحقا.
كما يمكنك إعداد قائمة مختصرة بأكثر الحالات والأعراض شيوعا ومراجعتها تدريجيا، مع تدوين ما تتعلمينه من كل يوم في المستشفى؛ وستجدين مع الوقت أن خبرتك تتراكم بصورة ملموسة.
أما خوفك من أن تكون حلقات القرآن سببا في تقصيرك، فلا تستجيبي لهذه الوسوسة؛ فالقرآن نعمة وعون، ولا تعارض بين طلب العلم النافع وحفظ كتاب الله، بل اجعلي عبادتك مصدر طمأنينة وانضباط يعينك على دراستك، قال تعالى: {وقل رب زدني علما}، واجعلي من دعائك أن يبارك الله في علمك وينفع بك الناس؛ فطلب العلم النافع وخدمة المرضى من أبواب الخير والأجر.
حافظي على النوم الكافي، والغذاء المتوازن، والحركة اليومية، وقللي الهاتف والمشتتات أثناء الدراسة؛ فالذاكرة تحتاج إلى عقل هادئ، لا إلى ساعات طويلة من الاستنزاف، وإذا استمر التشتت وانعدام الطاقة والنسيان بصورة تؤثر في دراستك، رغم تنظيم نومك ومذاكرتك، فاستعيني بأخصائية نفسية أو مرشدة أكاديمية؛ لتقييم أسباب القلق والإجهاد، ومساعدتك على استعادة التركيز والثقة.
لا تتخذي الآن قرارا بشأن مستقبلك المهني وأنت تحت ضغط الخوف؛ أكملي ما بقي، واكتشفي مجالات الطب المختلفة أثناء التدريب، ثم اختاري بهدوء المجال الذي يناسب قدراتك وميولك.
لا تقيسي نفسك بما كنت تتمنين أن تكوني عليه، ولا بما يبدو عليه زملاؤك، وإنما قارني نفسك بنفسك: ماذا تعلمت اليوم؟ وماذا تستطيعين أن تفعلي غدا بصورة أفضل؟ أنت لم تفقدي ذاتك القديمة، وإنما تحتاجين إلى استعادة ثقتك بها خطوة خطوة.
نسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويبارك في علمك ووقتك، ويجعلك طبيبة نافعة رحيمة، ويرزقك ثمرة صبرك واجتهادك.