عُرضت عليّ وظيفة لا تناسبني، فكيف أرفضها دون إغضاب والديّ؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكركم على الخدمات التي يقدمها موقعكم، وأطلب منكم النصيحة.

عرضت علي وظيفة معلم بالتعيين الحكومي، وعند تقدمي لهذه الوظيفة كان لدي منظور مختلف، لكن بعد خوض تجربة العمل كمعلم بديل لمدة شهر، أصبحت أدرك أن مجال التعليم غير مناسب لي، فأشعر بأن الطلبة لا يحترمون المعلم عامة، ولا يحترمونني خاصة؛ بسبب هيئة جسمي، حيث أبدو أصغر من عمري بكثير.

وهذا ما يسبب لي قلقا كبيرا بشأن قبول الوظيفة، ليس قصورا في إيصال المعلومة إلى الطلبة، وإنما لشعوري بعدم القدرة على نيل احترامهم وضبط الغرفة الصفية، وهما أمران لا يقلان أهمية عن إيصال المعلومة.

أريد رفض هذه الفرصة، وأرجو من الله أن يرزقني خيرا منها، لكن كيف أفعل ذلك دون أن أغضب والدي؟ وهل يعد هذا رفضا للرزق؟ وهل أكذب عليهما في سبب الرفض، فأقول لهما إن الأمر خارج عن سيطرتي؛ لأنهما لن يتفهما أسبابي؟

شكرا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ وائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حياك الله -أخي الكريم- ومرحبا بك في موقعك استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يوفقك لما فيه الخير في دينك ودنياك.

من الجميل في رسالتك أنك حريص على رضا والديك، وتريد أن تختار العمل الذي يناسب قدراتك، كما أنك صريح مع نفسك بشأن الصعوبات التي واجهتك في تجربة التعليم، وهذه أمور تدل على وعي ومسؤولية، أسأل الله تعالى أن يفتح لك أبواب الرزق الحلال.

أخي الفاضل، لا بد أن نفرق بين عدم ملاءمة العمل لك في هذه المرحلة، وبين الحكم على مهنة التعليم بأنها لا تناسبك مطلقا، فتجربة شهر واحد قد تكشف لك بعض التحديات، ولكنها لا تكفي دائما للحكم النهائي على مستقبلك المهني، خصوصا أن ضبط الصف وإكساب الطلاب الاحترام، مهارات تكتسب بالتدريب والخبرة، وليست مرتبطة بهيئة الجسم أو العمر وحدهما.

فمهنة التعليم من أشرف المهن أثرا، فهي تساهم في بناء العقول، وتربية الأجيال، وإصلاح المجتمع، وقد قال النبي ﷺ: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وإن كان الحديث في فضل تعليم القرآن، فإن فيه دلالة على عظيم منزلة التعليم ونفعه للناس، كما قال ﷺ: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير.

فلا تنظر إلى التعليم على أنه مجرد شرح للمعلومات، بل هو رسالة وتأثير وبناء لشخصيات الطلاب، وقد لا ترى أثر جهدك سريعا، ولكن كلمة طيبة أو توجيها صادقا منك قد يبقى في ذاكرة طالب سنوات طويلة.

أخي الكريم، قبول الوظيفة أو رفضها ليس رفضا لرزق الله تعالى بالضرورة، فالإنسان مأمور بالأخذ بالأسباب، والتفكير في مصالحه، واختيار ما يستطيع القيام به، وقد قال الله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ۖ وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.

ولكن من المهم ألا تجعل تجربتك الأولى سببا في إغلاق الباب نهائيا، ولا أن ترفض فرصة مستقرة دون دراسة البدائل المتاحة، فالوظائف قد لا تتوفر دائما، والظروف الاقتصادية وسوق العمل قد يفرضان على الإنسان أحيانا أن يصبر على عمل لا يمثل خياره المثالي، قال النبي ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.

أخي العزيز، شعورك بأن الطلاب لا يحترمونك بسبب هيئة جسمك مفهوم من الناحية النفسية، ولكن لا تجعل هذا الاعتقاد حقيقة ثابتة عن نفسك، فالهيبة الصفية لا تقوم على الطول أو ضخامة الجسم، وإنما تتأثر بالوضوح، والثبات، والعدل، وحسن إدارة الصف، والعلاقة المتوازنة مع الطلاب.

ومن المهارات التي يمكنك أن تعمل على تطويرها:

• وضع قواعد صفية واضحة منذ اليوم الأول، مع بيان العواقب النظامية للمخالفة.
• استخدام نبرة صوت هادئة وحازمة، دون صراخ أو انفعال.
• الاستعداد الجيد للدرس، فالمعلم الواثق من مادته أكثر قدرة على قيادة الصف.
• عدم الدخول في جدال طويل مع الطالب المشاغب أمام زملائه.
• الاستفادة من خبرة معلمين متمرسين، وملاحظة أساليبهم في ضبط الصف.
• طلب تدريب أو إشراف مهني من المدرسة أو الجهة التعليمية.

وقد تكتشف بعد فترة من التدريب أن المشكلة ليست في التعليم ذاته، وإنما في جانب محدد من إدارة الصف يمكن تحسينه، وهنا أنصحك -ما دامت الوظيفة الحكومية متاحة، ولم تبدأ فيها بعد بصورة نهائية- أن تدرس الأمر من عدة جوانب:

▪ اسأل عن طبيعة الوظيفة، والمرحلة الدراسية، وعدد الطلاب، والبيئة المدرسية، والدعم الذي تقدمه الإدارة للمعلم الجديد.
▪ قارن بين الاستقرار والبدائل، هل لديك فرصة أخرى واقعية، أم مجرد أمل في العثور على عمل أفضل؟
▪ استشر معلمين ذوي خبرة، خصوصا من مروا بتجربة مشابهة في بداياتهم.
▪ ضع فترة تجريبية واقعية، فإن كان النظام يسمح بذلك، فامنح نفسك عدة أشهر لتطوير مهارات إدارة الصف، ثم قيم التجربة من جديد.
▪ ادرس سوق العمل والفرص المتاحة، ما المجالات التي تستطيع الانتقال إليها؟ وما المؤهلات أو المهارات التي تحتاجها؟ وهل فرصها متوفرة فعلا الآن، أم أنها مجرد توقعات؟

وقد يكون من الحكمة أن تقبل الوظيفة مؤقتا، وتعمل على تطوير نفسك، وتبحث في الوقت نفسه عن البدائل المناسبة، فهذا العمل -ولو لم يكن خيارك النهائي- قد يمنحك خبرة، ودخلا، واستقرارا، حتى تتهيأ لك فرصة أفضل، أما إذا تبين بعد دراسة جادة وتجربة كافية أن التعليم لا يناسبك فعلا، وأن لديك بديلا واقعيا أفضل، فلا حرج في الاعتذار عن الوظيفة بطريقة محترمة.

وهنا يأتي الحديث عن: كيف تتعامل مع والديك؟ وهل يجوز أن تكذب عليهما؟
حرصك على عدم إغضاب والديك أمر طيب، ولكن لا أنصحك بالكذب عليهما، بحجة أنهما لن يتفهما أسبابك، لأن الكذب يضعف الثقة، وقد يسبب مشكلات أكبر إذا انكشف الأمر، ويمكنك أن تكون صادقا دون الدخول في تفاصيل لا تحسن شرحها، فتقول مثلا:

"أنا مقدر حرصكما على مستقبلي، وأعرف أن الوظيفة الحكومية فرصة مهمة، ولكنني بعد تجربة العمل في التعليم وجدت أن لدي بعض الصعوبات التي أحتاج إلى تقييمها وتطويرها، ولن أرفض الفرصة بصورة متسرعة، بل سأدرس طبيعة العمل والبدائل المتاحة، وأستخير الله تعالى، ثم أتخذ القرار الأنسب".

وإذا لم يتفهما موقفك، فاستمر في الحوار بهدوء، وبين لهما أنك لا ترفض العمل أو الرزق، وإنما تريد اختيار مسار مهني تستطيع الاستمرار فيه والنجاح، قال الله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}.

فبر الوالدين لا يعني أن توافقهما في كل اختيار مهني، ولكنه يعني أن تخالفهما بأدب، وأن تحرص على مشاعرهما، وأن تثبت لهما أنك تتصرف بعقل ومسؤولية.

عموما -أخي الكريم- لا تتخذ قرار الرفض بسبب القلق وحده، ولا تجعل هيئة جسمك سببا للحكم على قدرتك على التعليم، بل امنح نفسك فرصة للتدريب، وادرس ظروف الوظيفة، وسوق العمل، والبدائل الواقعية، فإن وجدت أن التعليم غير مناسب لك بعد تقييم جاد، فاعتذر عنه بصدق وأدب، دون كذب أو قطيعة مع والديك.

أسأل الله أن يرزقك عملا صالحا نافعا، وأن يشرح صدرك لما فيه الخير، ويعينك على اكتساب الثقة والمهارات، ويبارك في رزقك، ويرضي عنك والديك، ويفتح لك أبوابا من فضله لا تخطر لك على بال.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات