كيف أساعد طفلي على بناء شخصية قوية كي يدافع عن نفسه؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابني عمره 3 سنوات، وابن عمه عمره 4 سنوات، وأحيانا أثناء اللعب، يقوم ابن عمه بضربه أو قرصه، أو يفعل به بعض التصرفات المؤذية.

من البداية، أحاول أن أعلم ابني كيف يحمي نفسه بطريقة صحيحة، مثل أن يبعد يد الطفل عنه، أو يمسك يده ويمنعه، أو يقول له: لا، لا تضربني، ولا أعلمه أبدا مبدأ: من ضربك فاضربه، فهل هذا المبدأ خاطئ فعلا؟ وعندما أرى أن ابن عمه يؤذيه، أتدخل وأنبهه بصوت حازم، لكن رغم مرور فترة طويلة على هذا الموضوع، ما زال السلوك يتكرر، ولا أشعر بوجود تحسن واضح.

في البداية، كان ابني يأتي ويخبرني إذا قام أحد بضربه، أما الآن، فعندما أسأله: من ضربك؟ يقول: لا أحد، ويحاول تغيير الموضوع، رغم أنني أعطيه مساحة وحرية في البيت، وأحاول دائما أخذ رأيه في الأمور التي تخصه. أنا قلقة من أن يكون عدم رده أو عدم إخباري دليلا على أنه بدأ يشعر بالعجز، أو أن شخصيته أصبحت ضعيفة، وهذا أكثر ما يشغلني!

أريد أن أعرف كيف أتصرف معه بشكل صحيح:
▪ هل أستمر في تعليمه أن يدافع عن نفسه ويضع حدودا؟
▪ أم الأفضل أن أتدخل أنا بشكل أكبر؟
▪ وكيف أساعده على بناء شخصية قوية وواثقة من نفسه؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دلال حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، ونشكرك على ثقتك وتواصلك معنا، ونسأل الله أن يعينك على تربية ابنك، وأن يحفظه من كل سوء، ويرزقه شخصية متزنة قوية، وينشئه على الخير والصلاح، ويشرح صدرك ويبارك لك في أبنائك.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تحملين همين متلازمين:

▪ الأول يتعلق بالطريقة الصحيحة لتعليم ابنك حماية نفسه من إيذاء ابن عمه، دون أن يتحول ذلك إلى ثقافة انتقام.
▪ والثاني يتعلق بتغير طارئ في سلوكه؛ حيث توقف عن إخبارك بما يجري معه، وهذا القلق يدل على حس أمومي مرهف يستحق التقدير قبل أي شيء.

أولا: الموقف التربوي من دفاع الطفل عن نفسه مقابل الانتقام:

في البداية، يجدر بالذكر أن ما تفعلينه من تعليمه إبعاد اليد، وإمساكها، ومنعها، والقول: لا، لا تضربني، هو النهج الأصح تربويا ونفسيا، والفارق بين الدفاع عن النفس والانتقام فارق جوهري لا شكلي، فالدفاع عن النفس يعني حماية الحدود في لحظتها، أما مبدأ: من ضربك فاضربه، فيرسخ في ذهن الطفل أن العنف هو لغة التواصل الطبيعية، وأن كل موقف احتكاك يحل بالضرب، وهذا يصعب على الطفل لاحقا ضبط انفعالاته مع أقرانه في المدرسة وغيرها.

ولعل في قول الله تعالى ما يضيء هذا الفارق، إذ يقول عز وجل: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله}، فالآية تقرر أن للإنسان حقا في رد الأذى بمثله، ولا حرج فيه، ولكنها ترفع مقام من يتجاوز ذلك إلى الإصلاح، ومثل هذا المعنى الدقيق يصعب أن يستوعبه طفل في الثالثة، فالأسلم في هذه السن أن يتعلم الحد الأدنى الآمن، وهو منع الأذى عنه بقوة وحزم، دون مبادرة بالضرب.

ويؤيد هذا المعنى أيضا ما ورد في الحديث: لا ضرر ولا ضرار، فهو أصل يمنع ابتداء الإيذاء، كما يمنع مقابلته بإيذاء مكافئ يتحول إلى دوامة، فاطمئني أن أسلوبك ليس خطأ، بل هو استثمار في شخصية ابنك على المدى البعيد، وإن بدت ثمرته بطيئة الآن.

ثانيا: تفسير تغير سلوك الطفل والتوقف عن الإفصاح:

بالانتقال إلى مسألة تحوله من الإخبار إلى قول: لا أحد، يجدر التوضيح أن هذا لا يعني بالضرورة أنه يشعر بالعجز، أو أن شخصيته أصبحت ضعيفة، فالأطفال في هذه المرحلة قد يتوقفون عن الإفصاح لأسباب أخرى بعيدة كل البعد عن الضعف، منها أنه لاحظ أن الأمر يتكرر رغم إخباره لك وتدخلك، فبدأ يشعر داخليا أن الحديث عن الموضوع لا يغير من واقعه شيئا، فتوقف عن جدواه.

ومن جهة أخرى، قد يكون يحاول في هذه السن اختبار استقلاليته، وأنه صار يملك أسرارا خاصة به، كما أن سؤال: من ضربك؟ بصيغته المباشرة قد يجعله يشعر بأنه في موقف مساءلة، فيفضل الهروب منه بدل الإجابة. والملاحظ أنك تربينه بأسلوب يمنحه مساحة واستقلالية، وهذا مما يحمد لك، فقد ورد عن النبي ﷺ من الرفق بالصغار، واحترام مشاعرهم ما يدل على أن حسن معاملة الطفل أصل في بناء ثقته، وليس مجرد تفصيل عابر.

ثالثا: خطوات عملية لبناء الثقة والتعامل مع الموقف:

▪ أن تستمري في تعليمه لغة الحزم كما بدأت، دون أن تربطي ذلك بمكافأة أو عقاب.
▪ الثناء عليه كلما رأيته يمنع يد أحد عنه، أو يرفض بوضوح، دون أن ينتظر تدخلك، فالثناء يرسخ السلوك أكثر من التوجيه المباشر.
▪ حاولي تخفيف الوقت الذي يترك فيه وحده مع ابن عمه دون إشراف مباشر منك أو من أهله، ريثما يتحسن السلوك.
▪ تحدثي بهدوء ووضوح مع والدي ابن عمه، حتى يشاركاك متابعة الأمر معه أيضا.
▪ بدلا من سؤاله مباشرة: من ضربك؟، جربي أن تجلسي معه بعد اللعب، وتسأليه أسئلة عامة عن كيفية قضائه وقته، وماذا لعبتما، وهل استمتع، فهذا يفتح له بابا للحديث دون أن يشعر بأنه في استجواب.
▪ الأهم من ذلك كله أن يشعر بأنك تصدقينه وتحميه كلما تحدث، لا أن يتحول حديثه إلى مشكلة أكبر، أو إلى توبيخ لابن عمه أمامه بشكل يحرجه، فذلك قد يدفعه إلى الصمت مستقبلا حتى لا يتسبب في مشكلة.

رابعا: التقييم المستقبلي والتوجيه النفسي:

إذا استمر هذا الانسحاب في الحديث فترة أطول، أو لاحظت معه علامات أخرى، كالخوف الزائد، أو الانطواء عن اللعب مع الأطفال عموما، أو التراجع في مهارات كان قد اكتسبها، فمن الحكمة حينها استشارة أخصائي سلوكي للأطفال لتقييم الأمر عن قرب، لا لأن هناك بالضرورة مشكلة، بل لتطمئني، وتحصلي على أدوات أدق تناسب طبيعة ابنك تحديدا.

أختي الكريمة، تذكري أن بناء الثقة في نفس الطفل عمل تراكمي بطيء، لا يقاس بأسبوع أو شهر، وقد قيل في معنى قريب من هذا:
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه

فأنت تزرعين فيه اليوم القدرة على حماية حدوده بلا عنف، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة ستظهر ثمارها في مواقف أكبر من هذه حين يكبر.

نسأل الله أن يحفظ لك ابنك، وأن يرزقه القوة والثقة بنفسه، وأن ييسر لك أمر تربيته، ويشرح صدرك، ويهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات