السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالبة، ولدي صديقة غالية جدا علي، وكنت أعتبرها كإحدى أخواتي، وكانت تحدث بيننا خلافات، ثم أعتذر لها، فتعود علاقتنا إلى طبيعتها، فهي إنسانة طيبة جدا، وأنا متعلقة بها.
حدث خلاف بيننا، فأرسلت إليها رسالة، لكنها توقفت عن الرد علي، فأرسلت طرفا ثالثا ليصلح بيننا، إلا أن صديقتي رفضت، فقلت لها: قولي لها إنني أحبها، ولن أزعجها مرة أخرى، لكنها رفضت أيضا، وحاولت معها مرارا وتكرارا، وقلت لها: دعيها تعود، حتى لو كان الأمر يقتصر على إلقاء السلام، وليس من الضروري أن تعود علاقتنا كما كانت، فقالت: لا، والله، لا سلام ولا غيره.
نفسيتي في أسوأ حال تقريبا، وأشعر بأن حياتي توقفت بسبب ذلك، وأدعو الله كثيرا أن تعود إلي، فأنا لم أصدق أنني وجدت صديقة مثلها، وأعلم أنني أخطأت في حقها، لكن قلبي يؤلمني لفراقها، وقد توقفت عن المذاكرة، ولم أعد أعيش حياتي بصورة طبيعية، مع العلم أن كل ذلك حدث منذ ثلاثة أيام فقط.
▪ أريد حلا، أو دعاء، أو رسالة أرسلها إليها حتى تعود إلي، فأنا لا أريد غيرها.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دال حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
العلاقات الاجتماعية الجيدة من أسباب سعادة الإنسان، وإحدى مفاتيح النجاح في الدنيا، ولذلك فمن الطبيعي أن تشعري بالحزن والكآبة بسبب خسارتك صديقة مقربة منك، ولعلي ألخص نصائحي لك في النقاط التالية:
1. أولا وقبل كل شيء، لا تربطي حياتك بأحد كائنا من كان، نعم، قد تحبين، لكن احرصي على ألا تتعلقي، فالتعلق أحد أسباب الشقاء، وتصحيح بعض الأفكار يساعد على التخفيف من التعلق، ومن ذلك التحرر من الشعور بأن حياتنا كلها متوقفة على فلانة أو فلان.
لا يوجد حب أكبر من حب الأم لأبنائها وحبهم لها، ومع ذلك يفقد أحدهم الآخر، فيحزن فترة من الزمن، تقصر أو تطول، ثم يتزوجون ويسافرون ويضحكون، وتستمر الحياة، وقد أخبر المصطفى ﷺ أن هذه إحدى سنن الحياة، فقال ﷺ: أحبب من شئت، فإنك مفارقه، فمن لم نفارقه بسبب الخصومة والشقاق، كان السفر أو الموت أو غيرهما سببا للفراق.
2. لا أهون من بعض الخسارات، فبعضها كبير، ولا سيما في عالم الصداقات، وليس من السهل تعويض بعض أنواع البشر، ولكن هذا لا يعني أن نتوقف تماما عند من خسرناه، فالحياة تقدم لنا دائما الجديد، بشرط ألا نعتزلها، ونحبس أنفسنا عند من نظن أنه لا يتكرر أبدا.
3. صديقتك الآن في حالة غضب واستياء بسبب تكرار أخطائك في حقها، ومحاولات الإصلاح في مرحلة الانفعال غالبا ما تبوء بالفشل، وأحيانا يكون الحرص على تصحيح العلاقة بعد الخطأ مباشرة سببا في كسرها لا إصلاحها، وربما يشعرها بالملل، فأعطي صديقتك فرصة لتهدأ بضعة أسابيع، وحاولي ألا تكوني ثقيلة عليها في هذه المرحلة، وتفهمي أسباب انزعاجها، ولا سيما أن الخطأ قد تكرر أكثر من مرة، ولا تظني أن كلمة اعتذار عابرة بعد خطأ متكرر يمكن أن تمحو كل شيء عمليا.
4. أخطاؤنا منارات لنا، تجعلنا أكثر وعيا بأنفسنا، وأكثر حذرا من تكرارها في المستقبل، وعندما نتعامل مع أخطائنا بمنطق الاستفادة، فإن ذلك يعني أننا سنكون في كل يوم أفضل من اليوم الذي قبله، وما حصل منك في علاقتك مع صديقتك سيكون من أكبر مكاسبك في الحياة إذا جعلت منه درسا في طريقة علاقتك بالآخرين، فالحياة أمامك طويلة، وتنمية قدرتك على ضبط انفعالاتك وإدارة مشاعرك ستمنعك من الوقوع في كثير من الأخطاء مع من حولك.
5. قد لا تستطيعين إعادة العلاقة كما كانت، فلا تحرصي على ذلك من البداية، وحاولي فقط أن تنتهي القطيعة بينكما، ولو بقيت العلاقة بعيدة فترة من الزمن، بمعنى ألا تجعلي الخيار بين إعادة العلاقة إلى صورتها القريبة جدا كما كانت في الماضي، أو القطيعة الكاملة كما هي في الحاضر، فهناك دوائر مختلفة للعلاقات، تجعل استمرار العلاقة قائما، ولو بصورة مخففة جدا عن الماضي.
وسيكون من المفيد أن تصل هذه الفكرة إلى صديقتك عن طريق وسيط، ذلك أن من أسباب قطيعتها معك ربما يكون عدم استعدادها للعودة بالعلاقة إلى سابق عهدها، بينما لو كان الخيار هو إقامة علاقة عامة لا خاصة، فربما كان تشددها في الرفض أقل وأيسر.
6. إدخال الوسطاء بقدر معتدل من الأمور الجيدة، وهو أمر فعلته، ولكن لا بأس بتكراره بعد فترة من الزمن، وإذا اقترن ذلك بهدية أو رسالة مكتوبة لطيفة، فقد يكون أبلغ وأقوى، ولا تذكري في رسالتك موضوع إعادة العلاقة، وإنما اكتفي بمد جسور الصلة، والتخفيف مما في قلبها، من خلال كلام لطيف تشعرينها فيه بقدرها، وبحفظك الود لها، فإن هذا مما تلين له القلوب.
7. لنفترض بعد كل ذلك أنها لم تلن ولم ترجع إليك، فاستأنفي حياتك، واجعلي من رفضها المتكرر قبول اعتذاراتك المختلفة والجادة سببا في زهدك في هذه العلاقة معها، فالكريم يقبل اعتذار من يأتيه، ولا سيما إذا كان جادا وصادقا في اعتذاره، فأكرمي نفسك عن أن تبقي في حالة رجاء مستمر، واستجداء دائم لمن لا يقدر هذا الرجاء وهذا الود، واجعلي من إعراضها عنك -إن حصل- سببا في زهدك فيها، فهذا من الأمور التي تخففين بها عن نفسك هذا التعلق والانزعاج الشديد بسببها.
وأخيرا، راجعي ما بينك وبين الله، فقد تواردت الآثار أن من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، وأنه ما وقعت بين اثنين وحشة أو قطيعة إلا لذنب وقع فيه أحدهما، فللمعصية شؤمها الذي قد يتجاوز صاحبها ليصيب من حوله كذلك.
يسر الله أمرك، وأراح بالك.