منّ الله علي بالتوبة ولكني أقع أحيانًا في المعاصي، فما الحل؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب عمري 26 عاما، ومدمن على مشاهدة المواد الإباحية منذ أكثر من عشر سنوات، كما أنني كنت مدخنا لأكثر من تسع سنوات، وقد من الله علي بالتوبة، فأقلعت عن التدخين، وتركت العلاقات المحرمة، والتزمت بالصلاة وقراءة القرآن، وأحاول الاجتهاد في النوافل، ولا سيما قيام الليل.

لكنني ما زلت أقع في مشاهدة المواد الإباحية منذ أكثر من أربعة أشهر، ولا سيما خلال الأسبوعين الأخيرين؛ لأنني تركت العمل الذي كنت أعمل فيه، وما زلت أبحث عن عمل جديد، وأنا أعرف الأوقات التي أقع فيها في هذه المعصية، لكنني -للأسف- أنجح في ملء ذلك الوقت أحيانا ليوم أو أكثر، ثم أقع فيها من جديد.

ومنذ فترة طويلة أقع فيها مرة في الأسبوع، وأحيانا مرتين، وأدعو الله كثيرا أن يصرفني عن هذه المعصية، لكنني -للأسف- ما زلت أقع فيها حتى الآن.

وأشعر بأن للموضوع جوانب نفسية ومشكلات تحتاج إلى علاج، ولذلك أفكر في زيارة طبيب نفسي، فهل تنصحني بذلك؟

▪ ما الأمور التي ينبغي أن أفعلها لمحو ذنب الخلوة من صحيفتي، إذا وقعت فيها مرة أخرى -لا قدر الله-؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ معتز حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك في السادسة والعشرين، ابتليت بالإدمان على المواد الإباحية منذ أكثر من عشر سنوات، ثم من الله عليك بترك التدخين والعلاقات المحرمة والتزمت بالصلاة والقرآن وقيام الليل، لكنك تتعثر مرة أو مرتين أسبوعيا منذ أربعة أشهر، وزاد الأمر بعد تركك عملك، وتسأل عن زيارة الطبيب النفسي وعما يمحو أثر الذنب.

▪ أولا: أحييك على صدقك ووعيك؛ فمن ترك التدخين وقطع العلاقات المحرمة وثبت على قيام الليل فهو صاحب إرادة حقيقية، وهي نفسها التي ستعينك في هذه المعركة -بإذن الله-.

ومن الطبيعي جدا أن تشتد الرغبة مع الفراغ والقلق، وترك العمل وعدم اليقين في المستقبل يفتحان هذا الباب، ومعرفتك بوقت سقوطك نعمة؛ لأنها تسهل سد الثغرة، وانتقالك من السقوط اليومي إلى مرة أو مرتين في الأسبوع تقدم حقيقي، فلا تدع الشيطان يقنعك أن جهدك ضاع.

▪ ثانيا: نصيحتنا هي نعم، زر الأخصائي النفسي ولا حرج في ذلك شرعا، فهو من الأخذ بالأسباب؛ قال النبي ﷺ: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. نحن لا نشخص عبر الموقع، ولكن استمرار السلوك أكثر من عشر سنوات مع محاولات متكررة للتوقف يستحق تقييما متخصصا، وأفضل ما يعينك معالج متخصص في العلاج المعرفي السلوكي ومنع الانتكاس ليحدد معك المحفزات، ويدربك على مهارات مواجهة الرغبة، ولا تنتظر حتى تجد عملا لتبدأ، فهذه الأسابيع أحوج ما تكون فيها للدعم.

▪ ثالثا: الله تعالى أرحم بك مما تظن، وباب التوبة مفتوح مهما تكرر الذنب؛ يقول الله عز وجل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53]، وقال النبي ﷺ: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فالعبرة بصدق الرجوع كل مرة، وليس هذا إذنا بالتساهل بل فتح لباب الأمل حتى لا يتحول الذنب إلى يأس.

وإذا وقع منك الذنب -لا قدر الله-، فمما يعينك على محوه:

1. المبادرة فورا إلى التوبة بشروطها وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم عليها، والعزم على عدم العودة، وهذه العزيمة تصح ولو كنت تعلم ضعفك.
2. الوضوء وصلاة ركعتين ثم الاستغفار؛ فقد ورد في الحديث: ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له.
3. إتباع السيئة بالحسنة؛ قال النبي ﷺ: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، فاجعل بعد كل عثرة صدقة صغيرة أو صيام يوم أو وردا إضافيا من القرآن.
4. الستر على نفسك وعدم التحدث بالمعصية إلا لمعالج أو مرشد تثق به؛ قال النبي ﷺ: كل أمتي معافى إلا المجاهرين.
5. الحذر من جلد الذات؛ فالإفراط في الشعور بالذنب يزيد الضغط النفسي والضغط يزيد الرغبة، فاحزن حزن المؤمن الذي يدفعه إلى الله لا حزن اليائس الذي يبعده عنه، وأما تفاصيل مسائل التوبة والكفارات فاسأل عنها أهل العلم في بلدك.

▪ رابعا: خطوات عملية تعينك على تقليل السقوط -بإذن الله-:

1. املأ وقت الفراغ -والذي يكون فيه خطر الانتكاس- بخطة مكتوبة، فاجعل قبله نشاطا بدنيا كالمشي أو الرياضة، وبعده صلاة أو لقاء مع أحد أو عملا تحبه.
2. نظم يومك حول الصلوات الخمس، واجعل للبحث عن عمل ساعات ثابتة كأنها وظيفة، ففي ذلك إحساس بالإنجاز يقلل الفراغ.
3. ثبت برامج حجب المواقع بكلمة سر يحتفظ بها شخص آخر، ولا تحمل الهاتف إلى الفراش أو الحمام، ونم وأنت متعب لا مستيقظا تتقلب.
4. عند ظهور الرغبة غير مكانك فورا، وتوضأ، واخرج من البيت أو اتصل بصديق؛ فالرغبة موجة ترتفع ثم تنخفض خلال دقائق إن لم تغذها، وانتبه للجوع والغضب والوحدة والتعب فهي محفزات معروفة، وعالج ما تشعر به منها قبل أن يتحول إلى رغبة.

5. صم الاثنين والخميس تطوعا؛ فقد أرشد النبي ﷺ الشباب فقال: فعليه بالصوم فإنه له وجاء، أي وقاية وكسر لحدة الشهوة.
6. الزم الصحبة الصالحة؛ ففي حديث قاتل التسعة والتسعين قال له العالم: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فتغيير البيئة والصحبة جزء أصيل من التوبة.
7. دون في ورقة صغيرة كل انتكاسة متى وقعت، وما الذي سبقها من شعور أو فكرة أو مكان، فبعد أسابيع سيظهر لك نمط واضح، وهذا بالضبط ما سيحتاجه المعالج ليساعدك بدقة أكبر.

خامسا: رحلتك تشبه رحلة طفل يتعلم المشي، يسقط ويقوم ويسقط ويقوم، ولا يقول أحد إنه فشل؛ فالمهم أن تبقى واقفا في اتجاه الله لا أن لا تسقط أبدا، وقد قال الشاعر:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة *** فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن *** فبمن يلوذ ويستجير المجرم

ودعاؤك الكثير بأن يصرف الله عنك المعصية عبادة عظيمة في ذاتها، ولا تظن أن تأخر الاستجابة حرمان، فقد يريد الله أن يرفع درجتك بمجاهدتك؛ وقد قال سبحانه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، فداوم على مناجاته في جوف الليل ولا تمل.

وأخيرا: ابدأ بموعد مع أخصائي نفسي هذا الأسبوع، وبخطتين عمليتين فقط من الخطوات السابقة ثم أضف غيرهما تدريجيا، وقيم نفسك بعد شهر: هل قل عدد مرات التعثر؟ وهل ازدادت الأيام النظيفة؟ فإن تحسنت الأمور فاستمر، وإن بقيت على حالها فراجع الأخصائي ليعدل الخطة، ويسعدنا أن تراسلنا بما يستجد معك، وأن تشاركنا تجربتك فقد يستفيد بها غيرك.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات