السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي حالتان، فأقاربي ينقلون ملكية أموال الإرث إلى عقارات بأسماء والدي الكبير وأخي من زوجة أبي الثانية، ثم يقولون لي: لم يترك المتوفى شيئا.
كنت مستأجرا منزلا مع والدتي، وكنت متكفلا بجميع المصاريف، ثم قررت أختي أن تأتي لزيارة أمي من خارج البلد، فقامت هي وأمي بطردي من البيت بحجة إخلائه لأختي، علما بأن لدي أطفالا صغارا.
وبعد أن سكنت وحدي، لم أعد أتواصل مع أمي؛ بسبب طردي بطريقة مهينة من البيت، فأصبحت تبعث إلي رسائل تتهمني فيها بالعقوق، وترسل إلي كلاما نابيا، وكلما حاولت نسيان الأمر، رأيتهم ينعمون بأموال الإرث، فتذكرت ما حدث، وشعرت بضيق شديد.
فكيف أتعامل مع هذه المظالم، وأحافظ في الوقت نفسه على صلتي بوالدتي؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمار حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يرد إليك حقك، ويصلح ما بينك وبين أمك وأقاربك، ويطهر قلبك من آثار الخصومة، ويرزقك السكينة.
اجتماع النزاع على الميراث مع ما وقع بينك وبين أمك من طرد وإهانة أمر مؤلم، ومن طبيعة الإنسان أن يتجدد ألمه كلما رأى من يعتقد أنهم أخذوا حقه ينتفعون بالمال، والمهم ألا يدفعك الغضب إلى تجاوز حدود الله، ولضبط موقفك ننصحك بما يأتي:
▪ أولا: الحكم الشرعي في حرمان الورثة والتلاعب بالميراث:
إن كان أقاربك يتعمدون نقل أموال الميت أو ممتلكاته وإخفاءها عن بعض الورثة حرمانا لهم من نصيبهم؛ فهذا من أكل أموال الناس بالباطل، فالميراث حق فرضه الله تعالى، قال سبحانه بعد بيان الأنصبة: {فريضة من الله}، ولا يملك أحد إسقاط حق وارث أو التحايل عليه، مهما كانت الخلافات العائلية.
▪ ثانيا: الأخذ بالأسباب المشروعة لإثبات الحقوق:
لا تعتمد على الظن أو كلام الأسرة وحده، بل اجمع ما تستطيع من مستندات تثبت ملكية المورث للأموال والعقارات، وما حدث فيها، ثم اعرض القضية على مختص شرعي وقانوني أمين؛ فالمطالبة بحقك بطريق مشروع ليست قطيعة رحم ولا طمعا، ومن حق المظلوم أن يطلب حقه.
▪ ثالثا: مكانة الأم في الشرع وواجب البر رغم الإساءة:
أما أمك، فما وقع منها من طردك أو الكلام الجارح -بحسب وصفك- لا يسقط حقها في البر، كما أن كونها أما لا يجعل الإساءة إليك مباحة، فقد أمرك الله بطاعتها وبرها ولو كانت كافرة، قال تعالى: {وإن جاهداك علىٰ أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا}، فقد أمر الله بالمعروف مع الوالدين حتى في أشد صور الاختلاف.
▪ رابعا: كيفية إدارة التواصل والحفاظ على الحد الأدنى من الصلة:
لا تجعل خلاف البيت والميراث سببا لقطع أمك، مع أنه ليس مطلوبا منك أن تعود إلى السكن معها ما دام هناك من يرعى شؤونها، ولكن أبق قدرا من الصلة في الوقت الحالي، بالسلام، والسؤال عن حالها، وتهنئتها في المناسبات، وقضاء حاجتها عند الضرورة بحسب استطاعتك.
وإذا تعذر التواصل المباشر، فيمكنك أن تجعل تواصلك معها -في المرحلة الأولى- عن طريق أحد إخوتك أو شخص حكيم، إذا تيقنت أن الحديث المباشر قد يتحول إلى إساءة أشد.
▪ خامسا: التعامل مع الرسائل الجارحة وتجنب الجدال:
احذر أن تقابل رسائلها الجارحة بمثلها، وإذا قالت لك: أنت عاق، فلا تدخل في كل مرة في جدال لإثبات أنك لست كذلك، بل قل لها بهدوء إنك تحبها وتحفظ حقها، وإن ما وقع قد آلمك، وإن بابك مفتوح للتواصل بالمعروف، ثم توقف عن الجدال.
▪ سادسا: الفصل بين ملف الميراث وبر الوالدة:
افصل ملف الميراث عن علاقتك بأمك، فطالب بحقك المالي ممن أخذه بالطرق المشروعة، ولا تجعل صلتك بأمك ثمنا لاسترداد المال، كما لا تجعل المال سببا لاستحضار الظلم كل يوم؛ فالحق يسترد بالإثبات والإجراءات، أما تكرار استحضار الموقف فلا يعيد المال، وإنما يستنزف القلب.
وإذا ثبت أن لك حقا، فأنت مخير بين المطالبة به أو العفو عمن ظلمك، والعفو فضيلة، لكنه ليس واجبا في كل حال، فلا يلزم أن تقول إنك سامحت وأنت لم تسامح، ولكن حاول ألا يتحول حقك المالي إلى حقد يفسد عليك حياتك وحياة أولادك.
وتذكر أن رؤيتك لهم ينعمون بالمال لا تعني أنهم فازوا به، إن كان مأخوذا بغير حق، فالمال الذي يملكه الإنسان في يده ليس بالضرورة ملكا له عند الله، وحقوق العباد لا تسقط بالنسيان ولا بمرور السنوات.
نسأل الله أن يأجرك على ما أصابك، ويرد إليك حقوقك بالحق، ويهدي أقاربك إلى أداء الأمانات، ويصلح قلب أمك، ويعينك على برها دون أن تعرض نفسك للظلم، ويطهر قلبك من الغل والحزن، ويرزقك وأطفالك رزقا حلالا واسعا يغنيكم عمن سواه، والله الموفق.