السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عمري 19 عاما، والحمد لله أدرس ما تيسر من العلم، إلا أنه تطرأ على ذهني اعتقادات تنافي الإسلام، وتلح على خاطري ولا تتركني، حتى أشك فيما إذا كنت لا أزال على دين الإسلام أم لا، فتشككني في العقيدة رغم أنني أدرسها، وتصف الإله بما لا يليق، ولا يزال هذا حالي حتى صرت أخاف أن أموت على هذا الحال.
أعلم أن هذا وسواس من الشيطان، لكنه أحيانا يتمكن مني ولا أستطيع مغالبته.
• فهل أتحمل وزر ما يتمكن مني من هذه الوساوس، رغم محاولاتي دفعها بالاستغفار؟
• وهل لحالتي تلك حل علاجي عند المختصين النفسيين؟
جزيتم خيرا، وأجرتم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ابتهال حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدى وصلاحا وتوفيقا، كما نسأله سبحانه أن يعجل لك بالعافية من هذه الوساوس.
وبداية -أيتها البنت الكريمة-: نحب أن نبشرك ونطمئنك بأن هذه الوساوس لن تؤثر على إيمانك، ولن تضرك في دينك، فكوني على ثقة من هذا؛ هذا ليس كلاما نقوله من عند أنفسنا لمجرد طمأنتك، ولكنها بشرى نبوية نزفها إليك:
فهذه الوساوس قد أصابت من هو خير منك، أصابت بعض الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-؛ وجاء بعضهم إلى النبي ﷺ يشتكي إليه هذا الحال، وأنه يجد في صدره ما يخاف التكلم به، ويكره أن يتكلم به، ويفضل أن يحرق حتى يصير فحما على أن يتكلم به؛ فقال لهم النبي ﷺ: ذاك صريح الإيمان.
أي: خوفك من هذه الوساوس، ونفورك منها، وكراهتك لها دليل صريح على وجود الإيمان في قلبك؛ لأنه لولا وجود الإيمان المناقض لهذه الوساوس لما كنت تشعرين بكل هذا الانزعاج والقلق والخوف، وهذا الحال مطابق لحالك تماما، فاطمئني أولا واهدئي بالا، واعلمي أن إيمانك محفوظ بحفظ الله تعالى، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياك على الدين حتى نلقاه.
لكن المطلوب منك -ابنتنا الكريمة- مدافعة هذه الوساوس؛ فإن الله تعالى قدر أن يدفع بعض أقداره ببعض، كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-: نفر من قدر الله إلى قدر الله.
فينبغي أن تأخذي بالأسباب لمدافعة هذه الوساوس، وهذه الأسباب منها ما هو شرعي روحي، ومنها ما هو حسي مادي، فالجانب الشرعي الروحي هو الذي نحدثك عنه الآن، وهو -بإذن الله تعالى- سيكون قالعا لهذه الوساوس من جذورها، وقد لخص النبي ﷺ هذا الدواء الروحي في خطوات، منها:
• الخطوة الأولى: اللجوء إلى الله تعالى وطلب الحماية منه، فهو سبحانه على كل شيء قدير، فإذا داهمتك هذه الأفكار فقولي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
• ثم هناك خطوة ثانية مباشرة بعد الخطوة الأولى، وهي: الانصراف الكامل عن هذه الوساوس، والاشتغال بغيرها من أمور الدين أو الدنيا، فعودي نفسك دائما أن تصرفي ذهنك عن هذا الوسواس إلى شيء آخر، قال رسول الله ﷺ موجها من ابتلي بشيء من الوساوس: فليستعذ بالله ولينته.
وهذا الانتهاء هو الانصراف الكامل عن الوساوس وعدم التفاعل معها؛ لا تخافي منها، ولا تبحثي عن إجابات لأسئلتها، ولا تفعلي شيئا تمليه عليك هذه الوساوس، بل اصرفي ذهنك، واشغلي قلبك بشيء آخر، فطبيعة الإنسان أنه لا يستطيع أن يشغل قلبه بشيئين في اللحظة نفسها، قال الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}، وهذا يحتاج منك إلى قليل من الصبر، ولكنه أكيد المفعول، وكما قيل: الصبر كاسمه مر مذاقته، لكن عواقبه أحلى من العسل.
• الوصية الثالثة - أو الأمر الثالث من هذا الدواء الروحي-: الإكثار من ذكر الله تعالى والتحصن بالذكر، فقد جاء في بعض الروايات: فليقل: آمنت بالله، فأكثري من ذكر الله تعالى، واستمري على ما أنت عليه من قراءة القرآن الكريم وتعلمه.
• وهناك دواء رابع يصفه بعض العلماء من الناحية الشرعية، وهي: أن يشعر الإنسان بفضل الله تعالى عليه، وببشارة النبي ﷺ له بأن ما يجده في نفسه هو صريح الإيمان، فيفرح؛ وهذا الفرح هو بنفسه جزء من العلاج؛ لأن الشيطان يريد أن يعيش الإنسان المؤمن في حزن وضيق، كما قال الله تعالى: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا}، فإذا دفع الإنسان هذا الحزن، وشعر بالفرح بفضل الله تعالى ورحمته، زال عنه ذلك.
أما من الناحية الطبية والنفسية أو العضوية، فينبغي الاستعانة بالأطباء والمختصين؛ فلعلهم يصفون لك من الأدوية ما يساعدك على تصحيح مزاج الجسد، ويعلمونك من التمرينات ما يعينك على التخلص من هذه الوساوس.
نسأل الله تعالى أن يمن عليك بعاجل العافية، ويحفظك ويثبتك على الحق.
----------------------------------------
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
----------------------------------------
نرحب بك -أختي الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.
أولا: نعم -أختي الفاضلة- ما تعانين منه هو حالة من الوسواس القهري؛ والوسواس القهري يعني أفكارا قهرية تفرض نفسها عليك، تحاولين دفعها، إلا أنها تلح عليك -كما وصفت في سؤالك- وهذا من طبيعة الوسواس القهري.
الطبيعة الثانية: أنها تأتي كثيرا من الأحيان فيما يتعلق بالدين والعقيدة؛ مما قد يوصل الإنسان إلى الشك في إيمانه، وإسلامه، وعقيدته، ولكن اطمئني -أختي الفاضلة-؛ أن الوسواس القهري المتعلق بالدين ليس مؤشرا على ضعف الإيمان، بل -على العكس- دليل حرصك على إيمانك؛ فالوسواس القهري يأتي على الإنسان بأعز ما عنده، وواضح أن دينك، وإيمانك، وعقيدتك هامة بالنسبة لك.
أما سؤالك الأخير: هل هذه الحالة لها علاج عند المختصين النفسيين؟
نعم -أختي الفاضلة-؛ لعلك تطلعين على بعض الأسئلة الموجودة على هذا الموقع والتي تتعلق بالوسواس القهري، الذي هو أكثر انتشارا مما نعتقد أو نظن، وعلاجه غالبا بالعيادة النفسية، سواء العلاج المعرفي السلوكي: عن طريق الكلام وتغيير الأفكار، والغالب عن طريق الأدوية المضادة للوسواس القهري.
أطمئنك أولا أن أدوية الوسواس القهري فعالة إذا اخترنا الدواء المناسب، والجرعة المناسبة، ومدة العلاج المناسبة. ثانيا: لا تسبب هذه الأدوية الاعتياد أو الإدمان كما يشاع خطأ.
فإذا أدعوك -طالما يصعب عليك مقاومة هذه الأفكار- ألا تطيلي معاناتك؛ فالعلاج الآن أسهل بمراجعة العيادة النفسية.
أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، وأن يحفظ عليك دينك وإيمانك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.