السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة في الثانية والعشرين من العمر، وفي العام الأخير من المرحلة الجامعية.
تقدم لي شاب ملتزم، ولديه وظيفة ومنزل، وأنا أحسبه على خير بحسب ما أراه منه، ولكن رفض والدي الخطبة، أو حتى التعرف إليه، أو مقابلته، أو حتى الاستماع له، وحاول الشاب التواصل مع أبي كثيرا، وتواصل أيضا مع أفراد من عائلتي؛ كخالي الأكبر، وعمي، وقامت أخته بالتواصل مع والدتي، وجميعهم شهدوا له بالخير، وحاولوا إقناع والدي، لكنه أصر على الرفض بشدة وإصرار غير مبرر، ولم يسألني أحد عن رأيي حتى.
وبعدها بفترة، جاء وأخبرني بنبرة حادة أن لا أدفع إليه أي أحد؛ لأنه لن يرد على أي أحد، ولن يغير رأيه، وعندما بكيت، وسألته عن السبب، قال: إنه يجب تأجيل هذا الأمر عدة سنوات، وألا أفكر حتى في الأمر، وقارن نفسه بالأشخاص الذين يزوجون الفتيات الصغار، ولا يكملون تعليمهن، وكيف أنهم أشخاص سيئون، وتحدث عن كل الأشخاص الذين عرف أنهم انفصلوا بعد الزواج، أو واجهتهم مشاكل، وأنه لا يريد مثل هذا لنفسه.
سافر المتقدم ليعمل في إحدى الدول، وما زلنا نتواصل على الشات يوميا -ليس كثيرا، ولكن في معظم الأيام- للاطمئنان فقط، وقليلا جدا لو تواصلنا بمكالمة هاتفية، مع أني أعلم أنه متمسك بي، وأنه يريد دائما أن نتقرب من بعضنا، ونتحدث كثيرا، لكنه لا يريد لي المشاكل، فيصبر على ذلك.
أحيانا أشعر بالظلم، لكني أجوز أن يكون هذا الإحساس من الشيطان لأحزن، وأفكر بطريقة غير صحيحة، فتوكلت على الله، وفوضت أمري إليه، فإن أراد الله بي خيرا فلا راد لأمره؛ فكل ما أريده وأدعو به هو أن يرزقني الله الحلال، والستر، والطمأنينة، والاستقرار.
سؤالي هو عن هذا التواصل بيني وبين الشاب:
أنا أعلم أنه لا يجوز، وأخشى على نفسي من غضب الله، ولا أريد أن أكون ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى: (إن الله لا يهدي كيد الخائنين)، لكني لا أعلم ما هي الحدود المسموحة من التواصل، أم أنه غير مسموح إطلاقا؟ وأيضا لا أعرف كيف أخبره بهذا الأمر دون أن أجرح مشاعره، أو يظن أني قد أتخلى عنه؛ لأن هذا الأمر صعب علي بما فيه الكفاية، فلا أريد أن يحزن مني، أو أن يصور له الشيطان أمورا غير الحقيقة، لكن رضا الله أهم؛ لأنه قد قال سبحانه وتعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب).
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إيمان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب.
نشكر لك دوام تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير حيث كان ويرضيك به، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي تقر به عينك وتسكن إليه نفسك.
وبداية نقول -أيتها البنت الكريمة-: قد سعدنا كثيرا بما رزقك الله تعالى من خشيته سبحانه، والخوف من غضبه، وتجنب أن تقعي في سخط الله تعالى؛ فهذا فضل عظيم تفضل الله به عليك، وهداية كبيرة، فاشكري هذه النعمة بالحرص على ما يرضي ربك. واعلمي تمام العلم، وكوني متيقنة كامل اليقين أن رزقك قد كتبه الله تعالى قبل أن تخلقي، وقبل أن تخرجي إلى هذه الدنيا؛ فكل شيء بقضاء الله تعالى وقدره.
فإن كان الله قد كتب لك أن تتزوجي بهذا الشخص فإن ذلك سيقع لا محالة، وإن لم يكن كتب ذلك فإنك لن تصلي إليه بأي وسيلة كانت، وهذا اليقين يخفف عنك ما تجدينه من الحزن بسبب رفض والدك أولا، وأيضا يساعدك على تجنب الوسائل والأسباب المحرمة، التي قد تظنين في لحظة ما أنها سبب للحفاظ على هذا الشخص.
فكوني واثقة من أنه إذا كان الله قد قدر لك الزواج به فإن هذا الزواج لن يفوتك أبدا، ومع هذا لا بد من الأخذ بالأسباب المباحة التي أجازها الله تعالى وشرعها، ومن هذه الأسباب:
1. إعادة المحاولة ثانية وثالثة لإقناع والدك.
2. الاستعانة بمن يمكن أن يؤثروا عليه من الأقارب.
3. بيان أن الزواج بعد إكمالك للدراسة الجامعية هو الوقت المناسب للزواج.
ولكن مع هذا لا بد أن تنظري في وجهة نظر والدك والأسباب الحقيقية وراء هذا الرفض؛ فكونك تصفين هذا الشخص بأنه لديه وظيفة ولديه منزل فهذا لا يكفي في الحقيقة للحكم عليه بأنه صالح للزواج. فلا بد من النظر في أسباب رفض والدك؛ فإن كانت غير مقنعة وليست أسبابا صحيحة فحينئذ حاولي الاستعانة بمن يقنعه بالعدول عن رأيه.
وحاولي أن تستشيري من حولك من الأقارب والعقلاء في كيفية معالجة هذا الموقف الذي يقفه والدك؛ فالشرع يجيز لك في هذه الحالة أن ترفعي أمرك للقاضي الشرعي ليزوجك، ولكن ليس كل ما يجوز لنا أن نفعله يكون هو المصلحة؛ فربما عاد هذا عليك بأنواع من الضرر العائلي.
كل هذا نقوله -أيتها البنت الكريمة- لمعالجة كيفية الوصول إلى قدر الله تعالى بالأسباب المباحة، أما هذا التواصل الذي تتكلمين عنه فإنه لا يجوز لك؛ لأن هذا الرجل لا يزال أجنبيا عنك، والواجب عليك أن تقفي عند حدود الله تعالى في التعامل معه كغيره من الرجال الأجانب.
واحذري أن يستدرجك الشيطان للوقوع في التواصل المحرم بحجة أن تحافظي على هذا الشخص؛ فإن ما عند الله تعالى من الرزق لا ينال بمعصية الله، كوني على ثقة تامة من هذا الأمر، فما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولا يمكن أن نجعل الله تعالى رزقنا في سبب محرم علينا، بل على العكس من ذلك؛ فإن المعصية تكون سببا للحرمان كما قال الرسول ﷺ: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.
ثم في التواصل هذا ما قد يفتح عليك بابا من أبواب الغواية والفتنة؛ فإن العلاقة بين المرأة والرجل من أخطر أنواع العلاقات؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء. والشيطان يدعو الإنسان إلى المعصية خطوة خطوة؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر}.
ثم اعلمي جيدا أن قدرك عند هذا الإنسان سيرتفع وسيعلو مكانك وترتفع مرتبتك في نفسه وعينه عندما يراك حريصة على الوقوف عند حدود الله حافظة لنفسك. وبإمكانك أن تعبري له عن هذه الحقيقة بواسطة أخته -إذا كنت تتواصلين مع أخته-، أو بأن تكتبي له رسالة بأنك لا تريدين أن تخسريه، ولكنك لا تستطيعين الاستمرار في هذا التواصل لما فيه من مخالفة حدود الله تعالى، وأنه إذا أراد أن يعيد الخطبة مرة ثانية ويكرر المحاولة فينبغي أن يأتي الأمر من بابه.
وبهذا تكونين قد فعلت ما تقدرين عليه من الأسباب، وتفوضين أمرك إلى الله تعالى، وتوقنين تماما أنه أرحم بك من نفسك، وأنه أعلم بمصالحك، وأنه قد يصرف عنك شيئا تتمنينه وتحبينه ولكنه يعلم سبحانه أن الخير في خلافه؛ فقد قال سبحانه: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.
نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يقدر لك الخير حيث كان ويرضيك به.