أرغب في الزواج للعفة ووالدي يريد أن أصبر قليلاً، فما مشورتكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد الزواج طلبا للعفة والطهارة؛ لما أتعرض له من مغريات في هذا الزمن، ولسهولة الوصول إلى الحرام، وراتبي الحالي -مع العلم أنني أعمل في القطاع الخاص- (8000)، ويصل دخلي الكامل إلى (10000).

والدي يريد مني أن أصبر قليلا على الزواج، مع أنني أستطيع بهذا المبلغ توفير المأكل والمشرب والملبس، وهي الاحتياجات الأساسية للبيت، بالإضافة إلى أنني أسعى جاهدا إلى التطوير المستمر في عملي.

وقد سألت بعض الناس، فمنهم من أيد رأي والدي، ومنهم من نصحني بالإسراع في الزواج، فلم أجد إلا بابكم لأطرح عليكم مشكلتي، خاصة أنني حاولت كثيرا مع والدي، حتى ترك لي القرار في النهاية، وأنا الآن لا أريد أن أتسرع، وأريد أن آخذ العلم من أهله.

• فهل الأفضل في حالتي أن أبادر إلى الزواج، أم أصبر كما كان يرى والدي؟
• وهل دخلي الحالي وقدرتي على توفير الاحتياجات الأساسية للبيت كافيان للإقدام على الزواج؟

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عاصم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

جزاك الله خيرا -أخي الكريم- على حرصك على الطهارة والعفاف، ونسأل الله لك التوفيق في سعيك الصادق لتحصين نفسك في زمن كثرت فيه الفتن، وسهلت سبلها؛ فهذا مقصد شرعي عظيم.

أخي الكريم، ما تقوم به من سعي لطلب العفاف هو الأصل لمن خاف على نفسه الوقوع في الفتن، علما أنه قد يرتفع حكم الزواج -لمن هم في حال مثل حالك- إلى مرتبة الوجوب إذا أصبح الزواج سبيلا واحدا للعفاف ودفع الحرام.

وكما تعلم أن الشرع يحث المسلمين على سرعة وتسهيل الزواج، بل إنه جعل الزواج من أسباب زيادة الرزق، فقد حث النبي ﷺ الشباب على الزواج، وحث أولياء أمور البنات على تقليل تكاليف الزواج، وبين أن البركة تكون فيمن قل مهرها.

قال ﷺ: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج...، والمقصود بـ"الباءة" هو الحد الأدنى من المال عند الإقدام على الزواج، بمعنى أن يجد الشاب المهر بحده الأدنى، وأن يجد ما يستطيع أن يولم به ولو بشاة بقصد الإعلان، مع استطاعة الرجل توفير السكن والنفقة بالمعروف.

أما بعد الزواج، فالشرط الذي يجب توفره هو أهلية الرجل للسعي في طلب الرزق، بمعنى أن الرجل لديه القدرة العقلية والبدنية للسعي في طلب الرزق، وذلك من باب الأخذ بالأسباب.

أما مصدر الرزق -مصدر الرزق- فهو من عند الله، فبسط الرزق وقدره يكون وفق حكمته سبحانه، قال تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ۚ إن الله بكل شيء عليم}.

علما أنه لا يوجد تعارض بين وجوب توفر الحد الأدنى من الاستطاعة المالية عند الزواج، وبين كون الزواج سببا من أسباب زيادة الرزق الذي قد يصل بالزوج إلى الغنى.

فبعد أن يتزوج الرجل، فإن الله يجعله وعاء لرزق زوجته من جهة، ومن جهة أخرى جعله وكيلا شرعيا في الإنفاق على زوجته مما كتبه الله لها من رزق، كونه أصبح وعاء رزقها بعدما انتقلت ولايتها إليه بعد زواجه منها، وربما يكون الله قد كتب للزوجة رزقا وفيرا.

وبما أنه لم يطلب من المرأة أن تسعى لتحصيل رزقها المكتوب لها كما طلب من الرجل، بل إن الله أمر المرأة أن تقر في بيتها، وأوجب نفقتها على ولي أمرها الرجل -زوجها أو أبيها أو ابنها-، فإن ذلك الرزق الذي كتبه الله لها سيصلها عن طريق وليها الشرعي الذي أوجب الله عليه نفقتها، لقوله ﷺ: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما... ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد....

علما أن الأدلة الشرعية تؤكد أن الزواج من أسباب الغنى، منها قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامىٰ منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ۚ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ۗ والله واسع عليم}، وقوله ﷺ: ثلاثة حق على الله عونهم: المنكح الذي يريد العفاف، والمكاتب الذي يريد الأداء، والمجاهد في سبيل الله.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "التمسوا الغنى في النكاح"، وما ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "عجبت لمن أبطأ عن الغنى في النكاح"، متمثلا قول الله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}.

ونذكرك -أخي الكريم- أنه لن يموت ذكر ولا أنثى إلا بعد استكمال رزقه، وما على الإنسان إلا أن يسعى في الأرض لينال هو ما كتبه الله له ولمن أوجب الله عليه نفقتهم من الأرزاق التي سبق أن كتبها الله لهم.

ووفق ما ذكرت من معلومات عما تملكه من مال وما لديك من عمل، يظهر لنا أن الله قد من عليك بما يعينك على الزواج؛ فطبيعة عملك الميداني تمنحك صلابة وخبرة عملية في إدارة الموارد والتنظيم، وكذلك تمنحك فرصة التطوير المهني وزيادة دخلك؛ فتلك مؤشرات إيجابية على قدرتك على تحمل المسؤولية الأسرية.

أما ما ذكرته عن استشارتك لوالدك وعن موقفه من زواجك؛ فذلك يدل على حرصك على برك بوالدك، الذي ينم عن حسن خلقك.

فحرصك على استشارة والدك ومحاولتك معه حتى فوض إليك الأمر يدل على أنه يثق بما تتخذه من قرار، نسأل الله أن يجعل برك بوالدك في ميزان حسناتك.

وبما أن والدك قد ترك لك الخيار النهائي، فإننا نوصيك بالإقدام على الزواج، بشرط أن تبحث عن الزوجة الصالحة القنوعة التي تقدر ظروفك في بداية حياتك الزوجية.

نسأل الله أن يبارك لك في رزقك، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يفتح عليك أبواب عفافه ورزقه وفضله.

مواد ذات صلة

الاستشارات