كيف أتخلص من تعلق عاطفي محرم دون أن أقنط من رحمة الله؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد أن أسأل عن حالة شخصية تؤلمني منذ سنوات، وأرجو أن يكون الجواب مبنيا على الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم.

أنا امرأة ابتليت بميول ومشاعر عاطفية قوية تجاه امرأة، ولم أختر هذه المشاعر، لكنها تطورت إلى تعلق شديد استمر لسنوات، وقد وقعت في فعل محرم بسبب هذا التعلق، ثم من الله علي بالتوبة والندم، وابتعدت عن هذه المرأة وعن ذلك الفعل، ولا أريد العودة إليه، وأحاول التقرب إلى الله ومجاهدة نفسي.

لكن رغم الابتعاد والدعاء المستمر، ما زالت هذه المشاعر وهذا التعلق موجودين بقوة؛ وهذا يسبب لي ألما يوميا ووحدة شديدة، وقد دعوت الله كثيرا أن يخرج هذه المرأة من قلبي وأن يعوضني خيرا، لكنني لا أرى تغيرا واضحا، وأحيانا أخاف أن أكون مقصرة، أو أن الله لم يقبل توبتي بسبب بقاء هذه المشاعر.

وأنا أعلم أنني أخطأت في الفعل وأتحمل مسؤوليتي عنه، لكنني أتساءل عن المشاعر التي لم أخترها، وعن كيفية التعامل معها بما يرضي الله، فأنا في النهاية إنسانة أحتاج إلى المحبة والأنس والصحبة والاستقرار، وقد أصبحت الوحدة مؤلمة جدا بالنسبة إلي، ولا أريد أن يدفعني هذا الألم إلى القنوط من رحمة الله أو العودة إلى الحرام.

• هل يؤاخذ الإنسان على المشاعر التي لم يخترها إذا جاهد نفسه ولم يعمل بمقتضاها؟
• هل بقاء هذه المشاعر بعد التوبة يعني أن توبتي ناقصة؟
• كيف أتعامل مع هذا الابتلاء بطريقة ترضي الله، دون أن أقنط من رحمته أو أعود إلى الحرام؟
• هل يمكن أن يزول هذا التعلق مع الوقت والعلاج النفسي المناسب؟
• هل يمكن أن يكون الزواج من رجل طريقا إلى بداية جديدة، أم لا ينبغي لي الإقدام عليه ما دامت هذه المشاعر وهذا التعلق لم يحلا، حتى لا أظلم شخصا آخر؟
• كيف أعيش هذه المرحلة، وأجاهد نفسي، وأحافظ على أملي في رحمة الله، وأبني حياة فيها مودة واحتواء بطريقة حلال؟

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ محي حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بداية: نشكر لك ثقتك وطلب الاستشارة، وصراحتك في عرض مشكلتك، وحرصك على التوبة والابتعاد عن الحرام، وهذه بداية مهمة في طريق التعافي بإذن الله.

والاعتراف بالمشكلة لا يعني الضعف، بل هو خطوة نحو الحل، متى صاحبه صدق الإرادة والأخذ بالأسباب المناسبة.

ومن الناحية النفسية، فإن ما تصفينه يمكن فهمه بوصفه تعلقا عاطفيا شديدا ومستمرا، ارتبط بالاحتياج النفسي والاعتماد الوجداني، حتى أصبح مستمرا رغم إدراكك لآثاره المؤلمة.

وهذا لا يعني أن المشاعر غير المرغوبة كانت اختيارا منك، لكنه يجعل الاستعانة بمختص نفسي موثوق أمرا مهما، خاصة مع استمرارها سنوات، وارتباطها سابقا بسلوك محرم.

ونؤكد أن وجود الندم والتوبة والرغبة في عدم الانتكاس أمر إيجابي، لكن التخلص من آثار تعلق طويل قد يحتاج إلى علاج ومتابعة، لا إلى انتظار زواله بمرور الوقت وحده.

ومن الأساليب المناسبة غالبا العلاج السلوكي المعرفي، الذي يساعد على فهم الأفكار والمحفزات، وتعديل أنماط التفكير، وتنظيم المشاعر، وبناء بدائل صحية للتعلق.

ولا تجعلي بقاء المشاعر وحده مقياسا لقبول التوبة؛ فالمهم ألا تتعمدي تغذيتها أو العودة إلى السلوك المحرم، مع الاستمرار في مجاهدة النفس.

أما الجانب الشرعي، وما يتعلق بهذه الجزئية من الاستشارة، فنترك بيانه لفضيلة الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي؛ لما يقتضيه المقام من تفصيل شرعي يرجع فيه إلى أهل العلم والاختصاص.

وحاجتك إلى المحبة والأنس والصحبة والأمان والاستقرار حاجات إنسانية طبيعية؛ لذلك ابني تدريجيا شبكة من العلاقات الآمنة مع الأسرة والصديقات الصالحات، وحياة مليئة بالأنشطة النافعة والإنجاز.

وعلى الجانب العملي، اقطعي ما يعيد تنشيط التعلق، كمتابعة أخبارها أو استحضار الذكريات عمدا، وتجنبي العزلة الطويلة، ونظمي نومك، ومارسي الرياضة والهوايات، ووسعي دائرة تواصلك الاجتماعي.

وعند عودة الاشتياق أو الذكريات، لا تدخلي في صراع معها؛ لاحظيها، ثم انتقلي إلى نشاط محدد، فالمقصود إضعاف ارتباطها تدريجيا بالسلوك والتغذية العاطفية.

وضعي خطة واضحة للانتكاس، تحددين فيها محفزاتك، والبدائل المناسبة، وشخصا آمنا تتواصلين معه عند اشتداد الضيق.

أما الزواج، فلا تجعليه هروبا من التعلق أو علاجا نفسيا بحد ذاته؛ فالأفضل طلب العلاج أولا، ثم التفكير بهدوء في الزواج من رجل مناسب، تتوافر معه المودة والاحترام والاستقرار.

ومع العلاج المناسب، وعدم تغذية التعلق، وبناء حياة اجتماعية متوازنة، يمكن أن تخف شدة هذه المشاعر، وتتغير آثارها مع الوقت بإذن الله.

ولا تجعلي بطء التحسن سببا لليأس؛ فالتعافي مسار تدريجي، وقد تتخلله فترات صعبة، دون أن يعني ذلك فشل التوبة أو العلاج.

فاستمري في الاستعانة بالله، وخذي بالأسباب النفسية والاجتماعية، وابدئي بمتابعة مختص موثوق يضع معك خطة متدرجة، وأسأل الله أن يعينك على الثبات، ويعوضك سكينة ومودة وصحبة صالحة، ويفتح لك باب حياة مستقرة في الحلال.
-------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ إبراهيم أحمد عطية، استشاري نفسي اجتماعي، وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
-------------------------------------

مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب.

قد أفادك الأخ الفاضل الدكتور إبراهيم بنصائح قيمة وتوجيهات ثمينة، نسأل الله أن يعينك على العمل بها.

وبداية: أنا أهنئك بتوفيق الله تعالى لك للتوبة؛ فهذا في حد ذاته نعمة جليلة كبيرة، وأنت لم تقرري التوبة وتلجئي إليها إلا بعد أن تاب الله تعالى عليك؛ فقد قال الله في كتابه: {ثم تاب عليهم ليتوبوا}، وقال تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم}، وأمرنا بالتوبة فقال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون}.

فكونك تقررين التوبة وتسلكين طريقها، هذا في حد ذاته أمارة على أن الله تعالى أراد بك الخير، ووفقك لما فيه خيرك وصلاحك؛ فاحمدي الله تعالى كثيرا، واشكريه على هذه النعمة الجليلة، وأحسني ظنك به، وأنه سيقبل توبتك؛ فقد قال سبحانه في كتابه: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون}.

والتوبة -أيتها البنت الكريمة- سهلة يسيرة، وأنت -ولله الحمد- قد حققت أركانها؛ فركنها الأول الندم على فعل الذنب، وركنها الثاني يتعلق بالمستقبل، وهو العزم على عدم الرجوع إلى هذا الذنب في المستقبل، والركن الثالث يتعلق بالزمن الحاضر، وهو الإقلاع عن هذا الذنب.

فإذا فعلت هذه الأمور الثلاثة، فهذه توبة مكتملة الأركان، ومن تاب تاب الله عليه؛ فقد قال الرسول ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فالتوبة تمحو هذا الذنب، بل بشر الله تعالى بما هو أعظم من ذلك، فقال سبحانه وتعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}.

فأحسني ظنك بالله؛ فهو الكريم، الذي وفقك للتوبة هو الذي سيقبلها منك، والذي جعلك تندمين على فعل هذا الذنب هو الذي سيوفقك لاجتنابه والبقاء على هذا الاجتناب؛ فكوني مع الله يكن معك، وقد قال الله في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي.

أما هذه المشاعر التي لا تزالين تجدينها في نفسك وتجاهدينها، فمجاهدتك لها وعدم رضاك بها عمل صالح تثابين عليه وتؤجرين، والأجر على قدر المشقة؛ فكلما جاهد الإنسان نفسه من أجل إرضاء الله؛ فإن الله تعالى يثيبه ويعوضه خيرا.

وهذه المشاعر لن تؤثر على توبتك، ولا تأثمين بسببها؛ لأن الرسول ﷺ قال: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم.

فما دمت لا ترضين بهذه المشاعر، فإنك لا تؤاخذين بها؛ جاهدي نفسك على الاستمرار فيما أنت عليه من الخير، واعملي بنصائح الدكتور الفاضل إبراهيم، وما دلك عليه من مسالك وطرق، وأنشئي علاقات مع النساء الصالحات، وحاولي التواصل معهن.

واحرصي على الزواج إن قدرت عليه؛ فإذا تيسر لك الزواج بالرجل المناسب، فلا تترددي فيه؛ فإن الله تعالى جعله سببا لإعفاف النفس، وهو عمل صالح إذا أحسن الإنسان النية فيه.

استعيني بالله، واحرصي على الشيء النافع، وأشغلي نفسك بما يفيدك، وحاولي أن ترتبي أوقاتك وأعمالك، بحيث تؤدين الأعمال المطلوبة منك أولا بأول، منذ أن تستقبلي يومك إلى أن تنامي.

حاولي أن تؤدي فرائض الوقت في حينها، وأن تشغلي نفسك، وأن تبادري إلى شغل أوقاتك بأنواع الطاعات؛ فهذا في حد ذاته سيدخل عليك الأنس، وسيطرد عنك مشاعر الوحشة أو الضجر أو نحو ذلك؛ فإن الله تعالى جبل هذا الإنسان وفطره على أن قلبه لا ينشغل بشيئين في وقت واحد، فقال سبحانه وتعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.

نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يقدر لك الخير حيث كان، ويعينك، وييسر لك الخير.

مواد ذات صلة

الاستشارات